أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 30/03/2026 03:32 م

قانون إعدام الأسرى.. جريمة يخفيها غبار الحرب

 

رام الله 30-3-2026 وفا- أسيل الأخرس

في ظل انشغال العالم بالحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، تتجه إسرائيل إلى تكثيف انتهاكاتها في فلسطين، بما يشمل مواصلة القصف في قطاع غزة، وفرض وقائع على الأرض، وتصعيد اعتداءات المستعمرين، واقتحامات جيش الاحتلال للمدن والقرى في الضفة الغربية، إلى جانب السعي إلى تمرير ما تعذّر تمريره سابقا، وآخره مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

ويهدف مشروع القانون إلى نزع الشرعية عن الحركة الوطنية الفلسطينية، ومحاولة المسّ بمكانتها القانونية، والإساءة إلى هويتها الوطنية والنضالية، في سياق تجريم كفاح شعبنا الطويل من أجل الحرية والاستقلال.

وبرغم توقيع إسرائيل على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فإنها قُدمت بهذا الخصوص عدة مشاريع لقوانين تَصُب في الهدف ذاته، وتأتي استجابة لدواعٍ حزبية داخلية في إسرائيل أو لدواعي الانتقام، وبينها ما حظي بموافقة "الحكومة المصغرة" عام 2018، بعد أن أُقر بالقراءة التمهيدية في "الكنيست" الإسرائيلية، إرضاءً لضغوط اليمين المتطرف، أعطى في حينها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الضوء الأخضر لجهات الاختصاص بالاستمرار في اتجاه الإقرار النهائي للقانون، إلا أنه لم يحظَ أي منها بالقراءات الثلاث المطلوبة حتى يصبح قانوناً نافذاً في المحاكم الإسرائيلية.

ولعل السبب في عدم الإقرار النهائي للقانون هو الضرر الذي قد يُلحقه إقرار القانون بمكانة إسرائيل الدولية، بحكم أن القانون يتعارض مع ما تبقّى من قيم الديمقراطية التي تدعيها، ويُظهرها أمام العالم بصورة أسوأ مما تسعى إلى ترويجه والظهور به أمام العالم، كـ"دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان." بالإضافة إلى أن القانون يُكرس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين، ويعزز تصنيف عدة مؤسسات حقوقية سابقة على أنها دولة "أبرتهايد"، ويؤكد أن إسرائيل تسير في مسار تشريعي عنصري يخالف القانون الدولي الإنساني.

ومشروع قانون إعدام الأسرى ليس جديدا، فقد طُرح مرارا خلال السنوات الماضية، وكان آخرها في عام 2022 عندما أعاد الوزير المتطرف بن غفير طرحه مع مجموعة تعديلات، حتّى جرت المصادقة عليه من الكنيست بالقراءة التمهيدية في آذار 2023، وصادقت عليه لجنة الأمن القومي في "الكنيست" الإسرائيلية، الثلاثاء الماضي.

ومن المتوقع أن يخضع القانون مساء اليوم الاثنين، للتصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة، ويقضي مشروع القانون بفرض عقوبة الإعدام على من "يتسبب عمدًا في مقتل إنسان في إطار عمل يُصنف على أنه عمل إرهابي". وينص المشروع على عدم إمكانية منح عفو في مثل هذه الحالات، ما يعني تثبيت الحكم دون إمكانية تخفيفه أو تغييره بقرار سياسي أو قانوني لاحق.

ويشمل مشروع القانون الذي جرت المصادقة عليه بقراءته الأولى، وفق نصه، فرض عقوبة إلزامية دون الحاجة إلى إجماع قضائي، وتنفيذ حكم الإعدام شنقًا بوساطة مصلحة سجون الاحتلال، على أن يتم تنفيذ الحكم خلال مدة محددة لا تتجاوز 90 يومًا من صدوره.

ووفق صيغته الرسمية، ينص مشروع القانون على "أن كل مَن يُدان بقتل إسرائيلي بدافع عنصري أو عدائي أو بغية الإضرار بدولة إسرائيل والشعب اليهودي في أرضه، يُحكم عليه بالإعدام والإعدام فقط إلزاماً من دون تقدير قضائي، وهو أمر غير مسبوق، على أن يصدر الحكم بأغلبية آراء القضاة (اثنين من ثلاثة قضاة) وألاّ يكون مشروطاً بالإجماع، ويُمنع استبدال العقوبة بعقوبة أُخرى، بعد صدور الحكم النهائي، ومن دون إمكان تخفيف العقوبة لاحقا".

وكانت الكنيست الإسرائيلية قد أقرت في مارس/آذار 2023 بالقراءة الأولية مشروع قانون يسمح بعقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين "المدانين بقتل إسرائيليين"، إذ تم قدمه بن غفير بدعم من نتنياهو. في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أُقر مشروع القانون بالقراءة الأولى، بأغلبية 39 عضوا (من أصل 120)، مقابل 16 صوتوا ضده.

ووفق الصيغة المطروحة التي صادقت عليها لجنة الأمن القومي بالقراءة الأولى، يوجه القانون أساسا ضد "الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين في عمليات ذات دوافع قومية أو أمنية"، أي أنه لا يشمل المساجين اليهود الذين ارتكبوا جرائم مماثلة بحق فلسطينيين، ما يجعل منه قانونا تمييزيا وعنصريا.

وينص التشريع على فرض عقوبة الإعدام على أي شخص يتسبب عمدا أو بشكل مهمل في وفاة مواطن إسرائيلي بدافع الكراهية العرقية أو الأيديولوجية، أو بهدف الإضرار بإسرائيل.

ويكشف نص المشروع عن طبيعة تمييزية واضحة، إذ يستهدف حصراً الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين لدوافع قومية، بينما يستثني الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل بحق الفلسطينيين. ويرى مراقبون أن هذا التشريع ليس أداة قضائية لتحقيق العدالة، بل هو وسيلة انتقامية موجهة ضد الشعب الفلسطيني تحت غطاء قانوني.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أعلنت أن الصياغة المطروحة للمصادقة اليوم ألغت إلزامية فرض عقوبة الإعدام، وبات للقضاة صلاحية تقديرية لتقرير ما إذا كانوا سيحكمون بالإعدام أو بالسجن المؤبد. هذه المرة، أعرب كل من جهاز الأمن العام (الشاباك) وجهاز الموساد عن دعمهما لقانون الإعدام – لكنهما طالبا أيضًا بترك قرار فرضه بيد المحكمة. وأيضًا: الصلاحية الخاصة التي مُنحت لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وسيجري اليوم اعتماد الصيغة التي تضمنت تخفيفات كبيرة، على رأسها إلغاء إلزامية الحكم بالإعدام. وبحسب مشروع القانون، فإن: "منفذ العملية الذي يتسبب عمدًا في مقتل إنسان بهدف تقويض وجود دولة إسرائيل – تكون عقوبته الإعدام أو السجن المؤبد فقط". وذلك خلافًا للصيغة الأصلية، التي نصّت على أن يُحكم على المنفذ بالإعدام إذا نفذ عملية قاتلة "بهدف المساس بدولة إسرائيل وبنهضة الشعب اليهودي في أرضه".

وحسب إحصائيات نادي الأسير الفلسطيني، فإن هناك 9500 فلسطيني وعربي يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فيما بلغ عدد الأسرى المحتجزة جثامينهم في سجون الاحتلال 97 شهيدا، نتيجة التعذيب والإهمال الطبي المتعمد، بينهم 86 شهيدا منذ حرب الإبادة على قطاع غزة، بينما ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 326.

وتعد عقوبة الإعدام سابقة نادرة في تاريخ القضاء الإسرائيلي، إذ لم تُنفذ سوى مرة واحدة عام 1962 بحق المسؤول النازي أدولف آيخمان.

تنديد دولي

دعت أربع دول أوروبية، هي بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إسرائيل إلى التخلي عن مشروع القانون، معربة عن قلقها من تداعياته، ومؤكدة أن عقوبة الإعدام تُعد شكلاً “لا إنسانيًا ومهينًا” من أشكال العقاب، ولا تحقق أثرًا رادعًا.

كما حذرت منظمة العفو الدولية "أمنستي" من خطورة هذا التشريع، معتبرة أنه يرسخ نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وقد يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع التوجه العالمي لإلغاء عقوبة الإعدام، وقد يشكل تنفيذه جريمة حرب مكتملة الأركان.

وكانت "لجنة الأمن القومي" في "الكنيست" قد أقرت، في وقت سابق، مشروع القانون بعد إدخال تعديلات عليه، وأحالته إلى التصويت بالقراءتين الثانية والثالثة، دون الكشف عن طبيعة تلك التعديلات.

ــــــــ

أ.أ/ ف.ع

 

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا