غزة 29-7-2026 وفا- محمد دهمان
لم يعد سكان قطاع غزة يواجهون القصف والنزوح والجوع وحدها، بل بات المرض شريكا يوميا في معاناتهم. ففي آلاف الخيام المكتظة التي تؤوي العائلات النازحة، ينتشر جدري الماء بوتيرة متسارعة، مستفيدًا من الاكتظاظ، وغياب المياه النظيفة، وانعدام إمكانيات العزل، ونقص الأدوية، ليضيف أزمة صحية جديدة إلى واقع إنساني هو الأكثر قسوة منذ بدء العدوان.
داخل خيمة لا تتجاوز بضعة أمتار في مخيم التعاون، المقام في منطقة سوق اليرموك سابقًا بمدينة غزة، يعيش حمد الله سالم قنن (41 عامًا) مع أسرته المكونة من سبعة أفراد، بعدما أصيبوا جميعًا بجدري الماء.
يقول قنن: إن العدوى بدأت بابنته الصغرى، البالغة من العمر عامين، قبل أن تنتقل سريعًا إلى جميع أفراد الأسرة، موضحًا أن ضيق مساحة الخيمة جعل أي محاولة للعزل مستحيلة.
ويضيف: "الطفح الجلدي، والحكة الشديدة، وارتفاع الحرارة، والإرهاق أصابت الجميع، ولم يكن أمامنا سوى التعايش مع المرض داخل خيمة واحدة".
ولا تقتصر معاناة الأسرة على المرض، إذ يوضح قنن أنهم يعجزون عن الحصول على العلاج في ظل النقص الحاد في الأدوية، فيما يعتمدون في غذائهم على ما توفره التكايا، ولا تتوفر لديهم مياه كافية للاستحمام أو مستلزمات النظافة التي تساعد على الحد من انتشار العدوى وتخفيف آثارها.
ويؤكد أن أكثر ما يثير قلقه هو انتقال المرض إلى بقية العائلات داخل المخيم، في ظل الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة وانتشار الحشرات، مشيرًا إلى أن المرض ترك آثارًا نفسية قاسية في أطفاله الذين حُرموا من اللعب ومخالطة أقرانهم، وأصبح كثير من الناس يتجنبون الاقتراب منهم خوفًا من العدوى.
وفي الخيام ذاتها، يعيش محمود فايز المصري (34 عامًا) معاناة لا تقل قسوة. فالرجل الذي أصيب خلال الحرب بإصابات خطيرة شملت استئصال جزء من الرئة وإصابات في القلب والصدر والعمود الفقري، يجد نفسه عاجزًا عن تخفيف آلام طفله عبد الله، البالغ من العمر عامين ونصف عام، والذي يعاني جدري الماء منذ أشهر.
يقول المصري: إن طفله يعاني طفحًا جلديًا مؤلمًا وحكة متواصلة، بينما لم تنجح محاولات العلاج المحدودة في تحسين حالته، مضيفًا أن طفلين آخرين من الأسرة أصيبا أيضًا بالمرض، إلا أن إصابتهما كانت أخف.
ويتابع: "أصعب اللحظات تكون ليلًا، عندما يشتد الألم ولا يستطيع طفلي النوم، ولا أملك ما أقدمه له سوى الانتظار".
ويشير إلى أن إصابة طفله ضاعفت الضغوط النفسية والاقتصادية التي تعيشها الأسرة، مؤكدًا أن ظروفه الصحية تمنعه من العمل، فيما لا تستطيع العائلة توفير العلاج اللازم.
وتعكس هاتان الشهادتان واقع آلاف الأسر النازحة التي تحولت خيامها إلى بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الصحية والبيئية.
وبحسب المصادر الطبية، يشهد قطاع غزة تفشيًا واسعًا لجدري الماء، إذ سُجل منذ بداية العام نحو 53 ألف إصابة، فيما شهد شهرا حزيران وتموز ارتفاعًا غير مسبوق، تجاوز خلاله عدد الإصابات المسجلة كل أسبوعين 10 آلاف حالة، مقارنة بما بين 240 و340 إصابة فقط خلال الفترات المعتادة.
وتُظهر البيانات الرسمية أن محافظة خان يونس سجلت العدد الأكبر من الإصابات بنحو 29,100 إصابة، تلتها محافظة غزة بحوالي 14 ألف إصابة، ثم المحافظة الوسطى بنحو 7 آلاف إصابة، فيما سجلت محافظة شمال غزة أقل من ألف إصابة.
ويرجع هذا الارتفاع إلى الاكتظاظ الشديد داخل أكثر من 1600 مركز إيواء تؤوي ما يزيد على 1.7 مليون نازح، إلى جانب صعوبة تطبيق إجراءات العزل، ونقص المياه النظيفة، وتدهور خدمات الصرف الصحي، وسوء التغذية الذي أدى إلى إضعاف مناعة السكان، ما وفر بيئة مواتية لانتشار العدوى.
وتواصل مستشفيات قطاع غزة الترصد الوبائي اليومي، وتنفيذ حملات توعية حول الوقاية والنظافة الشخصية، إلا أنها تشير إلى أن الحد من انتشار المرض يبقى بالغ الصعوبة في ظل ظروف النزوح الحالية وانهيار البنية الصحية.
من جانبه، يقول استشاري الأمراض الجلدية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد أبو سرية: إن الطواقم الطبية رصدت خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد الإصابات مقارنة بالسنوات السابقة.
ويعزو ذلك إلى الاكتظاظ داخل أماكن النزوح، وسوء التغذية، وضعف المناعة، وانهيار الظروف البيئية والصحية، موضحًا أن الأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة، بينما ينتقل الفيروس بسهولة عبر الرذاذ التنفسي أو ملامسة إفرازات المصاب وأدواته الشخصية.
ويحذر أبو سرية من أن المرض قد يتسبب في مضاعفات خطيرة، تشمل الالتهابات البكتيرية في الجلد، والالتهاب الرئوي، والتهاب الكلى، والتهاب أغشية الدماغ، خصوصًا لدى الأطفال والأشخاص ضعيفي المناعة.
ويضيف أن القطاع يعاني نقصًا حادًا في الأدوية الخاصة بعلاج جدري الماء، ما يدفع الأطباء إلى استخدام بدائل أقل فاعلية، في وقت يصعب فيه تطبيق العزل بسبب ضيق أماكن الإيواء، فضلًا عن عدم توفر اللقاحات الخاصة بالمرض.
ويلفت إلى أن الطواقم الطبية ترصد أيضًا انتشار أمراض جلدية ومعدية أخرى، مثل الجرب والالتهابات البكتيرية، محذرًا من أن استمرار الظروف الحالية قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الأمراض المعدية إذا لم تتحسن الأوضاع الصحية والإنسانية.
ويشدد على ضرورة توفير الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد النظافة الشخصية، وإنشاء أماكن مناسبة لعزل المصابين كلما أمكن، إلى جانب دعوة المواطنين إلى مراجعة المراكز الصحية فور ظهور أعراض المرض والحد من مخالطة المصابين.
وفي الوقت الذي يكافح فيه سكان غزة للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة العدوان، بات انتشار جدري الماء وجهًا آخر للأزمة الإنسانية المتفاقمة. فداخل الخيام التي تفتقر إلى المياه الآمنة والصرف الصحي والرعاية الطبية، لم يعد المرض مجرد حالة صحية عابرة، بل خطرًا يهدد آلاف الأطفال والعائلات.
ويرى مختصون أن احتواء هذا التفشي لن يتحقق بالعلاج وحده، بل يتطلب تحسين ظروف الإيواء، وتوفير المياه النظيفة، ومستلزمات النظافة، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية، ودعم المنظومة الصحية المنهكة.
ومع استمرار العدوان، تتزايد المخاوف من أن يكون انتشار جدري الماء مقدمة لتفشي أمراض معدية أخرى، ما لم تتحرك المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية بصورة عاجلة لتوفير الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية، وتحسين البيئة الصحية داخل مراكز الإيواء، حماية لآلاف الأطفال والأسر الذين يواجهون المرض في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم.
ـــــ
/م.ع


