أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 25/08/2026 04:35 م

الحرب على الأونروا واستهداف حق اللاجئين

 

القدس 25-8-2026 وفا- يامن نوباني

منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تخوض إسرائيل حربا ممنهجة على وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، بدأت بتحريض سياسي وقوانين وتشريعات دخلت حيز التطبيق عام 2024، وتصاعدت لاحقًا من مشاريع قوانين تستهدف نشاط الوكالة وعلاقاتها الرسمية، إلى حظر عملها وقطع العلاقات معها، وإغلاق مدارسها ومرافقها، وقطع المياه والكهرباء عن منشآتها، وصولًا إلى الاستيلاء على مقارها وهدم منشآت تابعة لها في القدس.

ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على تعطيل خدمات الوكالة فحسب، بل تطال إحدى أهم المؤسسات الدولية التي توثق قضية اللاجئين الفلسطينيين وتقدّم لهم الخدمات الأساسية، بما يُنذر بتداعيات مباشرة على حقوقهم ومستقبل قضيتهم، وفي مقدمتها حق العودة.

تأسست وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" عام 1949 بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتقديم المساعدة والحماية والخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، الذين هجّروا من ديارهم عام 1948. وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، اضطلعت الوكالة بدور رئيسي في التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية في مناطق عملياتها الخمس: الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، والأردن، وسوريا، ولبنان.

وامتدادا لقوانين الكنيست الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2024 ضمن حملة استهداف ممنهجة، أسفرت عن تدمير مئات المنشآت واستشهاد أكثر من 393 موظفًا في غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى جانب تقييد حركة الموظفين والمسؤولين الأمميين ومنعهم من دخول القدس، أخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي معهد قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في كفر عقب شمال القدس المحتلة، واستولت على مجمعه، ورفعت علم الاحتلال في ساحته، بعد أن أجبرت 40 موظفًا بداخله على مغادرته.

تأسس المعهد كأول مركز تابع للأونروا في فلسطين عام 1952، على مساحة تبلغ 80 دونما، ويضم ورش عمل تدريبية وغرفا صفية ومساكن داخلية ومباني إدارية.  ويستقبل المعهد سنويا مئات الطلبة من مخيمات الضفة الغربية، ويبلغ عدد طلبته حاليا نحو 270 طالبا موزعين على 16 تخصصا مهنيا، ويتراوح عدد خريجيه سنويا بين 250 و300 خريج.

وتأتي سيطرة الاحتلال على معهد قلنديا ومجمع الأونروا في كفر عقب، في إطار سعيه لتقييد عمل هذه المنظمة الإنسانية وفرض حظر على نشاطاتها في المناطق التي يدعي أنها تحت "سيادتها". يمثل هذا التوجه صورة واضحة تدل على محاولات إسرائيل المتواصلة لتغييب وطمس قصة اللجوء الفلسطيني، في محاولة لتحييد حق الأجيال القادمة في المطالبة بالعودة إلى ديارهم، وللتخلص من أي توثيق دولي لمأساة اللاجئين الفلسطينيين التي لا تزال أهوال النكبة عام 1948 حاضرة في كل ملامح حياتهم. فإسرائيل تهدف إلى إزالة أحد أهم الشواهد الحية التي تُذكر العالم بنكبة اللاجئين الفلسطينيين المستمرة؛ إذ تقوم هذه الوكالة بدور حيوي في توفير الخدمات الأساسية والضرورية لملايين اللاجئين الفلسطينيين من تعليم وصحة وإغاثة اجتماعية. إن هذا التوجه ليس مجرد إجراء إداري؛ بل هو جزء من سياسات أوسع تهدف إلى إعادة صياغة التاريخ والنفي الصامت لمعاناة الشعب الفلسطيني، وفرض رواية جديدة تخدم مصالح الاحتلال وتضعف موقف اللاجئين، في مخالفة صريحة للمواثيق الدولية التي تؤكد على حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حقهم في العودة.

أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في 10-10-2024 الاستيلاء على الأرض المقام عليها مقر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة، وتحويل الموقع إلى بؤرة استعمارية تضم 1,440 وحدة سكنية. وجاء ذلك في إطار تصعيد الإجراءات ضد الوكالة، بما في ذلك المساعي لسن قوانين تقيّد نشاطها وتقطع العلاقات معها، وذلك عقب مصادقة "لجنة الخارجية والأمن" التابعة لـ"الكنيست" على مشروع قانون يهدف إلى قطع العلاقات بين إسرائيل ووكالة الأونروا.

وكان مشروع القانون ينص على إلغاء الاتفاق الذي وُقع عام 1967، والذي سمح للأونروا بمزاولة أنشطتها في القدس، بما يؤدي إلى وقف نشاط الوكالة فيها. كما نص على منع أي اتصال بين موظفي المؤسسات الإسرائيلية و"الأونروا"، وإلغاء الامتيازات الدبلوماسية والاقتصادية التي كانت تُمنح للوكالة.

وقد أقرت "الكنيست" الإسرائيلية بشكل نهائي، بالقراءتين الثانية والثالثة، مساء 28-10-2024، القانون الذي يحظر نشاط وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" داخل إسرائيل، وذلك رغم التحذيرات الأممية والدولية من خطورة هذا التشريع وتداعياته على عمل الوكالة وخدماتها للاجئين الفلسطينيين.

ويهدف القانون إلى "منع أي نشاط لأونروا في أراضي دولة إسرائيل"، وينصّ القانون على "ألّا تقوم الأونروا بتشغيل أي مكتب تمثيليّ، ولن تقدم أيّ خدمة، ولن تقوم بأي نشاط، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أراضي دولة إسرائيل". ودخل القانون حيّز التنفيذ منتصف ليل 30 كانون الثاني/يناير 2025، وبذلك فإن التطبيق الفعلي لقرار حظر نشاط الاونروا يشكل حرماناً لنحو 324,000 طالبا فلسطينيا من حقهم في التعليم، بينهم 278,000 في قطاع غزة و46,000 في الضفة الغربية والقدس، إضافة إلى الطلبة الذين يتلقون تدريبا مهنيا. كما أن ذلك سيشكل ضغطا إضافيا على خدمات التعليم والتدريب المهني والتقني التي تقدمها المؤسسات الحكومية التي تعاني من اكتظاظ اعداد الطلبة فيها وقلة الموارد المالية.

وفي 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أبلغت وزارة الخارجية الإسرائيلية الأمم المتحدة رسميا قرار إلغاء الاتفاقية وقطع العلاقات مع الأونروا.

وفي أيار 2025، أغلقت سلطات الاحتلال 6 مدارس تابعة للأونروا في القدس الشرقية، وحرمت أكثر من 800 طالب/ة من حقهم في التعليم.

وفي 19-11-2025، أقرّت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلية، بالقراءة الأولى، مشروع القانون الحكومي لتعديل قانون وقف نشاط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بعد أن حاز على تأييد 28 عضو كنيست مقابل معارضة 8 أعضاء. وأحيل القانون بعد التصويت إلى لجنة الكنيست لتحديد اللجنة المختصة بمتابعته.

وينص التعديل على أن "مزودي المياه والكهرباء لن يزوّدوا أي عقار يكون المستهلك المسجّل فيه هو أونروا"، إلى جانب "منح الدولة" صلاحية "السيطرة على أراض مسجلة في سلطة أراضي إسرائيل تستخدمها الأونروا".

وتزامن إقرار "الكنيست" بالقراءة الأولى لمشروع القانون، مع اعتماد اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا حول مساعدة لاجئي فلسطين وتجديد ولاية وكالة الأونروا حتى 30 حزيران/يونيو 2029، بتأييد 149 دولة ومعارضة 10 وامتناع 13 عن التصويت.

وفي 30-12-2025 صادقت "الكنيست" الإسرائيلية نهائيا على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في مدينة القدس المحتلة، ليدخل حيز التنفيذ مباشرة. بتصويت جرى بأغلبية 59 نائبًا من أصل 120، مقابل 7 صوتوا ضد مشروع القانون.

وفي 12-1-2026، اقتحمت قوات الاحتلال المركز الصحي التابع للأونروا في مدينة القدس وأصدرت أمرا بإغلاقه.

ولعل الهجمة الأكبر والأكثر غطرسة كانت عندما شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 20/1/2026 بقيادة الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير بهدم مبنى مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح شمال القدس المحتلة.

حيث كان بن غفير يشرف شخصيا على عمليات الهدم داخل مقر الوكالة، وأنه جرى تعليق أمر استيلاء لصالح ما يسمى "دائرة الأراضي الإسرائيلية" على مقرّ وكالة الغوث، وذلك عقب تنفيذ عمليات هدم طالت منشآت داخل المقرّ قبيل تعليق القرار. وهدمت جرافات الاحتلال، منشآت داخل مجمع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في حي الشيخ جراح.

_

ي.ن/ م.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا