رام الله 17-9-2026 وفا- دعا مسؤولون حكوميون وممثلو منظمات مجتمع مدني ومؤسسات دولية، إلى وضع آليات كفيلة برفع مشاركة النساء في سوق العمل، والتي تكشف الأرقام أنها متأخرة بشكل كبير عن التقدم اللافت للنساء في التعليم.
جاء ذلك خلال مؤتمر عقد برام الله، اليوم الخميس، بعنوان "النساء في سوق العمل الفلسطيني: التحديات ومتطلبات وجود بيئة داعمة"، نظمته وزارة العمل ومركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس"، بشراكة مع ممثلية الاتحاد الأوروبي ومؤسسة التعاون الإيطالي.
ولفتت وزيرة العمل إيناس العطاري، خلال كلمة في افتتاح المؤتمر، إلى مفارقة تستحق التوقف أمامها بجدية، حيث النساء الفلسطينيات أكثر تعليما وتأهيلا وحضورا في مختلف التخصصات، مقابل مشاركة اقتصادية لا تزال محدودة.
وأوضحت أنه بحسب البيانات، فإن مشاركة النساء في القوى العاملة في الضفة الغربية خلال الربع الثاني من عام 2026 بلغت 17.9%، مقابل 71% بين الذكور، في حين ترتفع البطالة بين الخريجات الحاصلات على مؤهل دبلوم متوسط فأعلى إلى نحو 35.6%، مقابل 16.3% بين الخريجين الذكور.
وقالت إن الفجوة ليست فجوة تعليم أو كفاءة لدى النساء فقط، وإنما هي فجوة في قدرة سوق العمل على استيعاب هذه الكفاءات وتحويلها إلى فرص عمل لائقة ومستدامة، حيث تتركز 63% من النساء العاملات في مهن الفنيين والمتخصصين والكتبة، مقابل نحو 20% من الرجال العاملين، في حين لا تزال مشاركة النساء في بعض المواقع القيادية والإدارية محدودة، كما أن نحو 80% من النساء العاملات يعملن كمستخدمات بأجر، فيما تبلغ نسبة صاحبات العمل نحو 2%، والعاملات لحسابهن الخاص نحو 11.4%، "وهذا يدفعنا إلى النظر إلى مشاركة النساء ليس فقط من حيث عدد النساء العاملات، وإنما من حيث نوعية العمل، ومستوى الدخل، والحماية، والاستقرار، وفرص التطور، فليس كل دخول إلى سوق العمل تمكينا اقتصاديا".
وأضافت أن نحو ربع النساء المستخدمات بأجر في القطاع الخاص يتقاضين أجرا أقل من الحد الأدنى للأجور، ما يجعل من الإنصاف في الأجر ليس مجرد قضية قانونية، وإنما قضية عدالة اقتصادية واجتماعية.
وأوضحت أن رؤية وزارة العمل تقوم على الانتقال من مشكلة المرأة إلى مشكلة سوق العمل؛ ومن تدريب المرأة فقط إلى تغيير قدرة السوق على استيعابها؛ ومن التوظيف إلى البقاء والترقي، وفي هذا الإطار تأتي سياسات العمل والحماية في صميم مسؤولية الوزارة.
واعتبرت أن رفع مشاركة النساء لا يمكن أن يعالج بجانب العرض فقط، أي تدريب النساء وتأهيلهن، دون معالجة جانب الطلب أيضا، وهذا هو هدف الاستراتيجية الوطنية للتشغيل 2025–2027 التي تقوم على أربعة محاور متكاملة: التشغيل، والتدريب المهني، والريادة، والتعاونيات.
وأضافت: إن رفع مشاركة النساء في سوق العمل الفلسطيني لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة العمل وحدها، إنها مسؤولية وطنية مشتركة، الحكومة مسؤولة عن السياسات والتشريعات والرقابة والحماية، وأصحاب العمل شركاء في توفير فرص عمل عادلة وآمنة، والنقابات شريك أساسي في حماية حقوق العاملات، ومؤسسات التعليم والتدريب مسؤولة عن إعداد المهارات التي يحتاجها المستقبل، والمجتمع المدني شريك في التوعية والوصول والرصد، والشركاء الدوليون، ومنهم الاتحاد الأوروبي والوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي، يمثلون شريكا مهما في دعم البرامج والمشروعات التي تعزز تمكين المرأة.
من جهتها، قالت وزيرة شؤون المرأة منى الخليلي، إن اجتماع الأطراف في المؤتمر يعكس أهمية الشراكة والتكامل؛ مؤكدة أن بناء بيئة عمل داعمة للمرأة مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والغرف التجارية والنقابات والمؤسسات المالية والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.
وأضافت: يأتي هذا المؤتمر في ظل استمرار انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل الفلسطيني، رغم ما حققته النساء من مستويات متقدمة في التعليم والخبرة المهنية. وهذه الفجوة تؤكد أن المشكلة لا ترتبط فقط بقدرات النساء، وإنما بمجموعة من التحديات القانونية والمؤسسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال على الحركة والوصول إلى الفرص والموارد.
ولفتت الخليلي إلى تقرير حديث لهيئة الأمم المتحدة للمرأة صدر في أيلول 2026، كشف حجم التحول في واقع الأسرة الفلسطينية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن النساء يترأسن نحو 86 ألف أسرة في قطاع غزة، أي ما يقارب أسرة من كل أربع أسر، ونحو 83 ألف أسرة في الضفة الغربية، أي أسرة من كل ثماني أسر.
وأكدت أن التمكين الاقتصادي للمرأة يمثل أحد المحاور الأساسية في استراتيجية وزارة شؤون المرأة، إلى جانب الحماية والتمكين السياسي والاجتماعي والقانوني والتكنولوجي.
بدوره، قال وكيل وزارة الاقتصاد الوطني بشار الصيفي، إن الوزارة تتعامل مع تمكين المرأة بوصفه مسارا اقتصاديا كاملا يبدأ بالإصلاح التشريعي، ويمر بالرقمنة والمعرفة، وصولا إلى بناء منظومة دعم متكاملة للمشاريع النسائية.
واستعرض الصيفي أبرز البرامج والمشاريع التي تقودها الوزارة وتهدف إلى تمكين المرأة.
من ناحيته، قال رئيس قسم الحوكمة في مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي إن المؤتمر جزء من برنامج أكبر بالتعاون مع الحكومة الفلسطينية ومؤسسة التعاون الإيطالي، قائم على المساواة في النوع الاجتماعي، وتمكين المرأة، والتنمية المستدامة.
وأضاف: المرأة الفلسطينية متعلمة بشكل كبير، ولديها مهارات عالية، لكن مشاركتها في سوق العمل منخفضة جدا، والمعيقات أمام تغيير هذا الوضع اصبحت أصعب في ظل قيود الاحتلال.
وقال مدير مكتب التعاون الإنمائي الإيطالي ميركو تريكولي، إن المؤتمر أحد المخرجات الملموسة للتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ضمن برنامج أوسع تشكل مؤسسات المجتمع المدني جزءا أساسي فيه، غلى جانب الشركاء الحكوميين.
من جهتها، اعتبرت المديرة التنفيذية لمركز "شمس" موضوع المؤتمر "قضية تمس جوهر العدالة في مجتمعنا، وقدرة اقتصادنا على النهوض، وحقَّ النِّساءِ في العملِ الكريم والمشاركة الفاعلة في صنع المستقبل.
وقالت: إن حق المرأة في العمل يبدأ بفرصة عادلة، ويكتمل بأجر منصف وحماية فعليَّة، وكرامة مصونة، وطريق مفتوح إلى القيادة.
وأضافت أن مسؤولية تمكين المرأة اقتصاديا في فلسطين "تكتسب المسؤوليَّة ثقلا استثنائيّا. فالاحتلال وما يفرضه من قيود على الحركة والوصول إلى الأرض والموارد والعمل، وما يخلفه الدَّمار والنزوح وفقدان مصادر الرزق، يضاعف الأعباء على النِّساءِ والأسَرِ، وفي مواجهةِ ذلكَ، تصبح حماية عمل النِّساء وقدرتِهِنَّ على الإنتاج والاستقلال الاقتصادي جزءا أساسيّا من حمايةِ الوجود الفلسطيني وصموده".
ـــــ
ج.ص/ م.ع


