الرئيسية تقارير وتحقيقات تاريخ النشر: 26/10/2021 11:12 ص

"أبو رائد".. حكاية انتماء للأرض وزيتونها

"أبو رائد".. حكاية انتماء للأرض وزيتونها

 

طوباس 26-10-2021 وفا- إسراء غوراني

مع ساعات الصباح الباكر، يستقل المواطن فوزي أبو عرة (أبو رائد) وعائلته جرارهم الزراعي، متجهين إلى أطراف بلدة عقابا شمال طوباس، ليباشروا قطاف الزيتون في حقولهم بأجواء عائلية، تتكاتف فيها جهود الجد والجدة والأبناء والأحفاد.

فور وصولهم الأرض، سارع أبناء أبو رائد وزوجاتهم وأبناؤهم في قطاف إحدى أشجار الزيتون كبيرة الحجم، يتبادلون الأدوار والمهمات لإنجاز العمل على أكمل وجه.

وفي الجهة المقابلة، كانت الحاجة أم رائد منهمكة في إعداد "قلاية البندورة" على الحطب، وهي سيدة المائدة للمزارع الفلسطيني في موسم الزيتون، وكذلك تجهيز إبريق الشاي لوضعه على النار، وأثناء إعدادها الطعام كانت الابتسامة مرتسمة على محياها.

تقول أم رائد: إن هذا الموسم رغم التعب الكبير الذي يرافقه، إلا أنه يحمل بهجة كبيرة للمزارع الفلسطيني، وهو فرصة يتجلى فيها التعاون والترابط بين أفراد العائلة، بالإضافة إلى العائد المادي منه.

يمتلك "أبو رائد" البالغ من العمر (79 عاما) 12 دونما مزروعة بأشجار الزيتون، والمتجول في أرضه يلحظ الاهتمام الكبير الذي يوليه لهذه الدونمات، لتمنحه من خيرها، في الموسم الذي يعد من أكبر المواسم في فلسطين، فهي أرض مستوية خالية إلى حد كبير من الشوائب والأشواك.

لا يتوقف أبو رائد طوال اليوم عن التجول في أرضه، فيقضي وقته بين قطاف الثمار تارة، وتعبئة المحصول تارة أخرى، بالإضافة لتقديمه النصائح لأبنائه وأحفاده للتعامل مع الشجرة وثمرها بالصورة الفضلى.

في تلك الأثناء يجوب رواد، ذو الأعوام التسعة وأصغر الأحفاد، الحقل ذهابا وإيابا بين والديه وجديه يلبي طلباتهم ويقدم المساعدة قدر استطاعته.

تكونت لدى أبي رائد على مدار عقود خبرة عملية في كل ما يتعلق بشجر الزيتون وموسمه، ويتعامل مع الموسم بالطريقة المثلى لضمان زيت وفير ذي جودة عالية، فهو ينتج كمية تتراوح بين 25-50 "تنكة" زيت سنويا.

يوضح أبو رائد أن الكثير من الأمور في حال تم إغفالها لن يحصل المزارع على زيت جيد من حيث الكمية والنوعية، ويشدد على ضرورة تلون حبة الزيتون حتى تكون جاهزة للقطاف، فيجب أن يتغير لونها من الأخضر الغامق إلى الأخضر الفاتح أو البنفسجي وهو أهم دلالة على نضجها وجاهزيتها للقطاف.

ويرى أنه من المحبذ الانتظار لحين سقوط الأمطار قبل القطاف، لما لذلك من دور كبير في غسل الثمار وتسهيل عملية قطافها.

كما يشير إلى العوامل الأخرى التي تؤثر بشكل كبير على إنتاج الأرض للزيتون، منها ما يعتمد على المزارع واهتمامه بأرضه من حيث حراثتها وتقليم أشجارها في الموعد المحدد، ومنها ما يتعلق بالعوامل المناخية، وأهمها الأمطار ودرجات الحرارة فكلما كانت كمية الأمطار جيدة خلال شهري كانون الثاني وشباط تكون استفادة الأشجار منها جيدة، وفي حال قلة الأمطار في هذين الشهرين فإن ذلك يؤثر سلبا على مستوى الري وبالتالي كمية الثمر، كما تطرق إلى درجات الحرارة وتأثيرها على موسم الزيتون، ففي حال ارتفاع درجات الحرارة وتقلبها بشكل كبير خلال شهري نيسان وأيار وهي فترة إزهار و"عقد" ثمار الزيتون قد يؤثر سلبا عليه ويؤدي إلى فاقد كبير بالموسم.

بدوره، يوضح مدير عام مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني فياض فياض أنه "من المتوقع أن يكون إنتاج هذا العام من الزيت أفضل من العام الماضي بنسبة ضئيلة جدا، فخلال العام الماضي تم إنتاج حوالي 14500 طن من الزيت، ومن المتوقع أن يكون الانتاج للعام الحالي بحدود 15 ألف طن، وقد يصل إلى أكثر من ذلك، لكن هذا سيتبين بوضوح مع نهايات الموسم، وهذه كمية أقل من المتوسط السنوي لإنتاج الزيت الذي يتراوح بين 20-22 ألف طن.

وأضاف: بالوضع الطبيعي يتبدل إنتاج الزيتون بين عام وآخر، فمن المعروف أن الإنتاج يكون في عام وفيرا وفي العام الذي يليه يكون قليلا وهكذا، حيث كان عام 2019 وفيرا جدا عما كان عليه العام الماضي، وبالتالي من المتوقع أن يكون إنتاج هذا العام وفيرا، لكن هناك عوامل مختلفة أثرت على ذلك، خاصة المناخ واختلاف درجات الحرارة، وانقطاع الأمطار لفترة زمنية خلال شهر شباط، وتغيرات الجو في فترة "عقد" ثمار الزيتون، أي بداية تشكل الثمرة من الأزهار، ما جعل الزيتون يعقد على فترتين وليس فترة واحدة.

كما أشار فياض إلى أن نضج الزيتون مرتبط بعوامل كثيرة، أهمها: نوعه، فهناك أنواع تنضج مبكرا وأخرى تنضج متأخرة كما هو الحال مع النوع النبالي المحسن، وبالتالي ينصح بقطافه في منتصف شهر تشرين الثاني القادم، علما أن الزيتون منذ عقده يحتاج إلى 180 يوما حتى ينضج.

من جهته، أشار مدير دائرة الزيتون في وزارة الزراعة رامز عبيد إلى أن قلة إنتاج الزيتون خلال العام الحالي والماضي يعود إلى تغير المناخ العالمي والذي تحظى فلسطين بحصة منه، حيث أصبحت درجات الحرارة أكثر برودة خلال فترة إزهار الزيتون خاصة في الليل في حين ارتفاعها في النهار، كذلك تأخر نزول المطر، وانقطاعه مبكرا، فالزيتون تأثر بهذه العوامل بشكل كبير، ويتضح ذلك من خلال انتشار أمراض في الزيتون مثل عين الطاووس الفطري الذي يصيب الأوراق، وذبابة ثمار الزيتون، وانتشار أمراض على شكل وباء في بعض السنوات، كلها نتيجة التغير المناخي، منوها إلى أنه يمكن التأقلم مع التغيرات المناخية خلال السنوات القادمة من خلال تعديل العمليات الزراعية للحد من أثر هذه التغيرات.

وحول الموعد الذي حددته وزارة الزراعة في 12 تشرين أول الجاري، أكد أن الموعد الذي تحدده الوزارة عادة هو موعد بدء الموسم الذي يتوقع بداية نضج الزيتون فيه في بعض المناطق، مع التوضيح أن الزيتون لا ينضج في كل المناطق بنفس الوقت، فيختلف النضج حسب المنطقة الجغرافية ونوع الزيتون.

وأكد أن النضج في أحيان كثيرة لا يختلف من منطقة لأخرى فحسب، وإنما من حقل لآخر في نفس المنطقة، حيث يتم تقديم نصائح باستمرار للمزارعين حول دلالات نضج الثمار، وأهمها تلون الثمار من الأخضر الغامق إلى الأخضر الفاتح والبنفسجي، مع ضرورة عدم الاكتفاء بالتلون الخارجي للثمرة والتأكد من تلونها داخليا من خلال أخد عينة وتقسيمها وملاحظة لونها من الداخل، مع ضرورة مراعاة عدم القطاف قبل تلونها داخليا، كذلك عدم الانتظار لحين تلونها بشكل كبير ووصولها للون داكن، ومن علامات النضج أيضا سهولة قطف الثمرة وفصلها عن الشجرة.

كما أن هناك عوامل أخرى لا يجب إغفالها فيما يتعلق بنضج الزيتون، كما قال عبيد، مثل نوع الزيتون فغالبية الزيتون في فلسطين من الصنف النبالي البلدي، وهو موجود بكثرة في وسط وشمال الضفة، وهذا النوع ينضج مبكرا، ولكن في جنوب الضفة وخاصة في الخليل يكثر الصنف النبالي المحسن، والذي يتأخر نضجه بعد النبالي البلدي بحوالي شهر، فإذا نضج النبالي البلدي بداية شهر تشرين أول، ينضج النبالي المحسن بداية شهر تشرين ثاني، كذلك جغرافية الأرض وقربها وبعدها عن الساحل له دور في نضج الثمار فالمناطق القريبة من الساحل ينضج ثمرها مبكرا مقارنة بالمناطق الجبلية.

ويضاف لذلك عوامل أخرى مثل تعرض الثمار للشمس فالثمار التي تتعرض للشمس أكثر من غيرها تنضج بشكل مبكر، والأشجار المزروعة بتربة خفيفة تنضج ثمارها قبل الأشجار المزروعة بتربة ثقيلة، وبالتالي تعتبر مشاهدة المزارع ومراقبة العوامل المذكورة هي العامل الأساسي في تحديد الوقت المحدد للقطاف.

وتشير الإحصاءات المتوافرة لدى وزارة الزراعة، إلى أن حوالي 900 ألف دونم مزروعة بالزيتون بين مثمر وغير مثمر في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما يزيد عدد أشجار الزيتون عن 12 مليون شجرة.

ـــــــــ

ا.غ/س.ك

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا