أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات تاريخ النشر: 19/06/2022 07:35 م

عائلات جديدة تفقد سندها

غرفة الشهيد يوسف صلاح (وفا)
غرفة الشهيد يوسف صلاح (وفا)

جنين 19-6-2022 وفا– زهران معالي وثائر أبو بكر

داخل غرفة شقيقها الشهيد يوسف ناصر صلاح، بالحارة الشرقية من مدينة جنين، تقلب تالا الأوراق وصفحات الكتاب؛ استعدادا لامتحان اللغة الإنجليزية في الثانوية العامة المقرر يوم غد، فيما عيناها صوب سجادة مفروشة أدى عليها يوسف آخر صلاة له قبل استشهاده بساعات.

تمضي تالا منذ يوم الجمعة الماضي بين الكتب الدراسية ومقتنيات الشهيد صلاح في غرفته ساعات قليلة للتجهيز لامتحانات الثانوية العامة، قبل أن تنتقل للغرفة المجاورة لمواساة والدتها وسط مجموعة من نساء الحي اللواتي حضرن للتعزية.

واغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي الشاب يوسف صلاح (21 عاما) برفقة صديقيه الشهيدين ليث أبو سرور (24 عاما) وبراء لحلوح (24 عاما)، بعدما أمطرت مركبتهم بالرصاص في الحارة الشرقية، فيما أصيب ثمانية آخرون فجر يوم الجمعة الماضي. 

وتروي تالا لـ"وفا" تفاصيل اليوم الأخير الذي جمعها بشقيقها يوسف بمنزله المستقل، بعدما توجهت للدراسة فيه لأول مرة منذ أن بدأت الدراسة لامتحان الثانوية في عطلة الشهرين الماضيين، قائلة "كأنه كان يوم الوداع، عشت فيه تفاصيل الفرح مع يوسف الذي كان يلاقيني بالابتسامة كلما خرج وعاد للمنزل".

وتشير إلى أنها أمضت يومين في الدراسة على امتحان الفيزياء بمنزل والدها، قبل أن تنتقل لمنزل يوسف للدراسة خلال اليومين المتبقيين للامتحان، فاجتمعت بيوسف باليوم الأول، وحاولت أن تكمل دراسة اليوم الأخير قبل الامتحان في بيت عزائه.

وأكملت تالا دراستها على امتحان الفيزياء بمنزل شقيقها يوسف حتى الساعة الـ 12 منتصف الليل وعادت إلى النوم في منزل عائلتها وفق قولها، لكنها استفاقت مفجوعة في الثالثة فجرا؛ وطلبت من والدتها الاتصال على شقيقها يوسف إثر سماعها أصوات إطلاق النار.

وتضيف: اتصلت والدتي بيوسف وكان يضحك وأخبرها أنه بالحارة يشاهد المواجهات في المدينة وكان يضحك، لكن لم تمض 10 دقائق حتى رن هاتف أمي وكان يحمل الفاجعة باستشهاد يوسف.

والشهيد يوسف الذي ترك الدراسة بعمر الـ 15، والتحق بالعمل مبكرا لمساعدة عائلته ووالده المقعد بعمله في سوق البالة، كان ينوي تجهيز منزله والزواج، حيث طلب من والدته قبل شهر من استشهاده أن تبحث له عن شريكة حياته.

لكن رصاص الاحتلال الذي مزق أحلام 26 شهيدا منذ بداية العام من محافظة جنين، قضى على أحلامه والمستقبل المشرق الذي خطط له، بعد أن سلب طفولته خلف القضبان حيث أمضى ثلاث سنوات في المعتقل، وفق ما تحدثت تالا.

وتجسد عائلة صلاح واقعا مصغرا لمسيرة المعاناة والنضال للشعب الفلسطيني، فالأب مقعد إثر إصابته برصاص الاحتلال في الانتفاضة الأولى، وولداه سعد ويوسف شهيدان بعد أن أمضيا عدة سنوات من أعمارهم في سجون الاحتلال، ونجله أسامة ما زال في الاعتقال الإداري.

وبعد 12 يوما من المفترض أن يخرج أسامة من الأسر بعدما أمضى عاما ونصف في الاعتقال الإداري، لكن لن يلتقي بشقيقه يوسف إلى الأبد، بعدما حرمهما الاحتلال من الاجتماع على مائدة واحدة في منزل عائلتهم منذ خمس سنوات، إثر الاعتقالات المتكررة.

وكما حرم الاحتلال يوسف الذي كان يمضي حكما بالسجن عاما ونصف في الفترة الأولى من وداع شقيقه الشهيد سعد عام (2017)، حرم أسامة من وداع يوسف.

"أول ما فتحت عيوني على الدنيا، كان أبوي جريح الانتفاضة الأولى يمشي على عكازة وثم على عربة متحركة، وبعدها بدأت أتلقى صدمات الظلم من الاحتلال باعتقال شقيقي سعد لمدة أربعة أشهر ثم استشهاده عام 2017، واعتقال شقيقي أسامة ويوسف ثم استشهاده"، تضيف تالا.

وتتابع: الاحتلال يريد أن يقتل الأمل والفرح فينا، لكن سأدرس، مستحيل أن أستسلم لما يريده الاحتلال بتدمير مستقبلنا، ظروف أهلي ومعاناتهم مع الاحتلال منحتني القوة بألا أستسلم للظروف، لذلك سأنجح لأحقق حلم شقيقي الشهيدين سعد ويوسف ووالدي الجريح وأخي الأسير وأخواني وأخواتي، ولذاتي التي بذلت جهدا لـ12 عاما دراسيا بانتظار لحظة الثانوية العامة.

"عندما يورث اليتم"

داخل بيت عزاء الشهيد أبو سرور (24 عاما)، تحدث كمال أبو سرور عم الشهيد ليث لـ"وفا"، بأن ابن شقيقه نشأ في عائلة بسيطة وطيبة وظروفها صعبة، ويتيم الأب مذ كان بعمر12 عاما، ومتزوج ولديه ثلاثة أطفال.

ويضيف أن ليث كان يملك روحا طفولية وأحلاما وردية بسيطة، ويتمتع بعلاقة طيبة بأطفاله وأشقائه السبعة وشقيقاته الثلاث، والقريب لقلب أمه التي تعاني من مرض السرطان منذ سنوات، وتشرب الأفكار الوطنية من عائلته التي قدمت عدة شهداء في سبيل الوطن بينهم شقيقه علاء وابن عمته محمد عام 2007.

ويشير أبو سرور إلى أن ليث كان يشاهد الأوضاع التي يعيشها شعبنا والاعتداءات على المسجد الأقصى ومدينة جنين ومخيمها وريفها، والإذلال على الحواجز والتصفية بدم بارد للشبان والأطفال.

وينوه إلى أن المشاهد التي عاشها ليث في طفولته من جرائم الاحتلال بحق عائلته وشعبنا أثرت فيه، حيث استشهد شقيقه الأكبر علاء عام 2007 ثم ابن عمته محمد بعده بأيام، وتوفي والده بعد عام ليتحمل مسؤولية عائلته، وقد تعرض للاعتقال لمدة ستة أشهر.

حاول ليث أن يعيش حياة طبيعية وسط ظروف استثنائية فرضها الاحتلال على الفلسطينيين ومدينة جنين خاصة، فبنى منزلا وتزوج وأنجب ثلاثة أطفال "صلاح (4 أعوام) وجوان (3 أعوام) ونور (9 أشهر).

من جهته، يشير قصي أبو سرور، شقيق الشهيد، إلى أن ليث كان يعمل بأجر يومي بإحدى مقاهي المدينة بمائة شيقل، كان يتقاسمها مع شقيقه الصغير عبد، ويصرف ما تبقى على أبنائه وزوجته.

ويروي: قبيل استشهاد نور الدين جرار في 16 آب/أغسطس 2021 بليلة كان برفقة الشهيد ليث، سأله حينها عن الاسم الذي سيحمله طفله الجديد فأخبره ليث إنه ينوى تسميته بضياء على اسم صديقه، لكن جرار بادره بسؤال آخر أنه في حال استشهاده هل يسميه باسمه، وهو ما تحقق بعد أيام من استشهاده.

(شقيقا الشهيد ليث قصي وعبيدة أبو سرور)

تهديد واغتيال

يقول كمال لحلوح والد الشهيد براء، من مخيم جنين، لـ"وفا"، إن نجله أنهى الثانوية العامة وكان من المتفوقين في الدراسة إلا أن ظروف العائلة لم تمكنه من إكمال دراسته، وكان يتميز بعلاقاته الاجتماعية في المخيم، وهو الأكبر بين أبنائه، فلديه شقيق وشقيقتان.

ويشير إلى أن نجله كان دوما متأثرا وحزينا على ما يجري لشعبنا من جرائم وعدوان مستمر من قبل قوات الاحتلال بحق أبناء شعبنا وخاصة في جنين ومخيمها.

ويضيف الوالد المكلوم، أنه بعد استشهاده فجر الجمعة، عثر المواطنون بين ملابسه على وصية له، حيث أوصى فيها أبناء فلسطين بإكمال الطريق، وحماية المسجد الأقصى المبارك والسير على درب الشهداء والأسرى حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

وحمل لحلوح الاحتلال المسؤولية الكاملة عن إعدام نجله، خاصة أنه وقبل استشهاده جرى استدعاءه لتسليم نفسه في معسكر سالم الاحتلالي غرب جنين بعد مداهمة منزله في المخيم، مشيرا إلى أن ضابط المخابرات أمهله حتى نهاية شهر رمضان الماضي لتسليم نفسه، وإلا سيتم تصفيته، وهكذا تم إعدامه بدم بارد.

ـــــ

/م.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا