الرئيسية تقارير وتحقيقات تاريخ النشر: 22/06/2022 02:01 م

الثروة الضائعة

 

الأغوار 22-6-2022 وفا- إسراء غوراني

مع مطلع فصل الصيف يجوب المواطن لؤي زهدي بصهريج نقل المياه، مناطق عديدة من الأغوار الشمالية باحثا عن مصادر مياه ممكنة، عله يستطيع توفير كمية تكفي لسقاية مواشيه التي لم يعد يجد مصدرا لمأكلها ومشربها، بسبب سياسات الاحتلال في التضييق على مقومات وجود الثروة الحيوانية  في الأغوار.

يقول زهدي الذي بدا منشغل التفكير بما ستؤول إليه حالة مواشيه: إنها رحلة شاقة، أقضي ما يقارب أربع ساعات يوميا باحثا عن مياه يمكن استغلالها لملء صهريجي، في ظل استيلاء الاحتلال على مياه الأغوار وتحكمه بها وإغداقها بكميات وفيرة على المستوطنات فيما لا يجد المواطنون ما يسد احتياجاتهم اليومية من مياه، المصدر الذي حين يوجد توجد الحياة.

ما يزيد من معاناة الرعاة في الأغوار الشمالية، أن المستوطنين أطبقوا خلال السنوات الأخيرة سيطرتهم على ما تبقى من ينابيع ومصادر مياه كانت ما زالت متاحة للفلسطينيين ويعتمدون عليها بشكل أساسي، كما حدث مؤخرا عند استيلائهم على "عين الحلوة" العام الماضي.

بعد رحلته اليومية الشاقة والطويلة، بالكاد يؤمن زهدي كمية من المياه لا تكفي كامل احتياجات مواشيه، إضافة إلى المخاطر بسبب ملاحقات الاحتلال لصهاريج نقل المياه والاستيلاء عليها في غالب الأحيان، علما أنها الوسيلة الوحيدة لسكان مضارب الأغوار للحصول على المياه.

ويؤكد زهدي أن المواشي في الأغوار تواجه تحديا حقيقيا في البقاء، ما تسبب بتناقص ملحوظ في أعداد الثروة الحيوانية، فقبل سنوات كان زهدي وأشقاؤه يملكون 800 رأس من الماشية يعيلون منها أربع أسر، لكنهم اليوم يملكون 400 رأس فقط، ولديهم تخوفات من تناقص العدد أكثر.

تشير ورقة حقائق حول الأغوار الشمالية أعدها مركز عبد الله الحوراني للدراسات التابع لمنظمة التحرير إلى أن "منطقة الأغوار الشمالية تعتبر ضمن الحوض المائي الشرقي الأكبر في فلسطين، ورغم ذلك تسيطر إسرائيل على 85% من مياه الأغوار الشمالية".

وتضيف الورقة البحثية: "ولا تسمح سلطات الاحتلال بإعطاء تراخيص لحفر آبار مياه للفلسطينيين مهما كان عمقها بينما تقوم شركة "ميكروت" الإسرائيلية بحفر الآبار التي يصل بعضها إلى عمق 100 متر بغية تزويد المستوطنات والمزارع التابعة لها بالمياه طوال العام".

وتقول: "يلجأ السكان إلى شراء صهاريج المياه بأسعار خيالية ويصل سعر الصهريج (3 كوب) إلى 120 شيقلا، وغالبا ما يقوم جيش الاحتلال بملاحقة هذه الصهاريج ومصادرتها وفرض غرامات مالية كبيرة".

مشكلة عدم توافر مصادر المياه التي تتفاقم بشكل كبير مع فصل الصيف، تتكامل مع عوامل أخرى ينتهجها الاحتلال على مدار سنوات طويلة للقضاء على الثروة الحيوانية في الأغوار، أهمها إغلاق أغلب الأراضي الرعوية أمام الرعاة الفلسطينيين تحت ذرائع وحجج مختلفة منها "المحميات الطبيعية" و"المناطق العسكرية"، وغيرها من المسميات حيث يمنع الاحتلال الفلسطينيين من استخدام 85% من مساحة الأغوار وشمال البحر الميت تحت ذرائع ومسميات مختلفة.

ووفقا لمراقبين فإن هذه المسميات مجرد ذرائع يسوقها الاحتلال لحرمان مواطني الأغوار من الوصول لأراضيهم، وما يثبت ذلك أن نفس تلك الأراضي التي يُمنع المواطنين من دخولها تحت هذه الذرائع، يستبيحها المستوطنون ويرعون فيها مواشيهم بشكل يومي.

في السياق ذاته، يشير مدير مديرية زراعة الأغوار الشمالية هاشم صوافطة، إلى أن الاحتلال منذ عقود يتبع سياسات متصاعدة وممنهجة للتضييق على مربي الثروة الحيوانية في الأغوار، وإلى جانب ذلك ظهرت سياسة "الاستيطان الرعوي" الذي يعتبر من أكثر العوامل التي تهدد الثروة الحيوانية في الأغوار.

يعمل الاستيطان الرعوي بشكل حثيث على خلق عناصر طاردة للرعاة الفلسطينيين، وفقا لصوافطة، من خلال المستوطنات والبؤر الاستيطانية الرعوية التي تنتشر في الأغوار والتي يعمل من خلالها المستوطنون بمواشيهم على استباحة المراعي والأراضي الزراعية للمواطنين، وتنفيذ اعتداءات يومية على الرعاة الفلسطينيين.

وشهدت السنوات القليلة الماضية إقامة بؤرتين استيطانيتين رعويتين في الأغوار الشمالية وحدها، وهما البؤرة المقامة في "خلة حمد" التابعة لخربة الفارسية منذ عام 2016، والبؤرة المقامة في منطقة "أبو القندول" التابعة لوادي المالح خلال العام 2019، بالإضافة لخطوات ينفذها المستوطنون لإقامة بؤر رعوية أخرى.

وتشير الإحصائيات المتوافرة لدى صوافطة إلى أن قرى وتجمعات الأغوار الشمالية خلال تسعينيات القرن الماضي كانت تضم حوالي 50 ألف رأس من الماشية، فيما يقدر عددها الحالي بـ25 ألف رأس فقط.

تشير دراسة أعدتها مؤسسة "كرم نابوت" التوثيقية الإسرائيلية حول الاستيطان الرعوي في مناطق "ج" من الضفة الغربية، إلى "أن مساحة الأراضي التي استولى المستوطنون عليها بواسطة الرعي تبلغ نحو 240 ألف دونم".

وتؤكد المؤسسة: "أن المستوطنين يقومون بهذا تحت رعاية الدولة وبمساعدة منها. إن الأذرع المختلفة للدولة متورطة تماما في تمويل هذا المشروع، رغم أن الدولة، بحسب قوانينها، لا تملك أية صلاحيات لتخصيص هذه المناطق للمستوطنين".

فيما توضح منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو في فلسطين في تقرير نشرته خلال شهر أيار الماضي، بأن 7 مستوطنات رعوية جديدة ظهرت خلال السنوات الأخيرة في مناطق الأغوار الفلسطينية، وسيطرت تقريبا على ما نسبته 80% من الأراضي الصالحة للرعي في الأغوار.

وأضافت: "المستوطنة الرعوية تبدأ بعدد قليل من المستوطنين المسلحين، يقومون ببناء خيمة أو وضع (كرفان)، وإحضار قطيع من الأغنام أو الأبقار إلى تلك المنطقة، إضافة إلى جرار زراعي وصهريج للتزود بالماء، ومن ثم تتحول إلى بؤرة استيطانية تقوم على فكرة السيطرة على أكبر مساحات ممكنة من الأراضي تفوق التمدد الطبيعي لأية مستوطنة قائمة".

وحول معاناة الرعاة الفلسطينيين جراء ظاهرة الاستيطان الرعوي، أكدت المنظمة "أن معاناة البدو في الأغوار تزداد  جراء تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين عليهم، والتي تتخذ أشكالا متعددة، بدءا بالتهديد والسرقة، ومحاولة الحرق والتخريب، والإيذاء الجسدي البليغ، والاحتجاز بذرائع واهية، ومنع البدو من الرعي بمواشيهم في المناطق الواسعة المحيطة بهم، وإغلاق مناطق بشكل تام في وجوههم، كما أن المستوطنين يعمدون إلى تخريب وتدمير المزروعات كالقمح والشعير والمحاصيل، من خلال رعيها بأبقارهم وأغنامهم، بهدف تقصير أمد الوجود الفلسطيني فيها".

ــــــ

إ.غ/ ي.ن

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا