أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة اقتصاد
تاريخ النشر: 19/10/2026 10:24 ص

البطالة في غزة حرب تسلب الناس أرزاقهم وتتركهم في مواجهة الجوع

 

غزة 19-10-2026 وفا- صفاء البريم

البطالة في قطاع غزة لم تعد مجرد أرقام تعكس انهيار سوق العمل، بل تحولت إلى معاناة يومية تثقل كاهل آلاف الأسر التي فقدت مصادر رزقها تحت وطأة 3 سنوات من الحرب الإسرائيلية.

مزارع اقتُلعت أشجارها، وورش دُمّرت ومركبات خرجت عن الخدمة إلى خريجين يبحثون عن فرصة عمل بلا جدوى، تتعدد وجوه البطالة وتتسع دائرة الفقر والعوز.

وبين أنقاض أماكن عملهم وخيام النزوح، يخرج الغزيون كل صباح بحثاً عن فرصة قد لا تأتي، فيما تتراجع الأجور وتتآكل القدرة على توفير أبسط الاحتياجات، ويصبح تأمين الخبز والطعام تحدياً يومياً في واقع حوّلت فيه الحرب العمل من وسيلة للحياة والاستقرار إلى فرصة نادرة للبقاء، كما قال مواطنون.

في طرف مخيم للنازحين غرب مدينة خان يونس، يجلس أبو عامر قديح النازح من بلدة عبسان، جنوب شرق قطاع غزة، أمام خيمة صغيرة لا تتسع لأفراد أسرته السبعة.

وقال قديح لمراسلة "وفا" إنه كان قبل الحرب، يعمل في أرضه ويشغّل معه 20 عاملا في الزراعة الموسمية وغير الموسمية ويجني ثمار الزيتون والبرتقال التي زرعها جده منذ عشرات السنين.

ويتابع بحسرة وقهر: "لكن القصف دمّر منزلي، وأحرق أرضي، واقتلع أشجاري المعمرة كما وأتلف أدواتي الزراعية".

وأشار قديح إلى أنه منذ 3 سنوات هرب وأسرته من البيت وتنقل عدة مرات بسبب شدة القصف الإسرائيلي وأوامر الاخلاء تحد التهديد، وأن بلدته باتت شرق الخط الأصفر ولا يمكنه الوصول إليها لينته به الأمر في خيمة لا تحميه برد الشتاء أو حر الصيف.

ويضيف: "كل صباح أخرج من الخيمة وأبحث عن أي عمل، حتى لو كان لساعات قليلة، لأن أطفالي ينتظرون ما أحمله معي".

وكشف قديح أنه يبدأ يومه قبل شروق الشمس يحمل أدوات بسيطة ويتجول بين المناطق التي ما زالت تشهد أعمالاً محدودة، عارضاً خدماته في نقل الركام أو ترميم جدار أو تحميل أكياس المساعدات.

"أحياناً أعود بعد ساعات من البحث من دون أن أجد فرصة، وأحياناً أحصل على أجر زهيد لا يكفي لشراء الخبز وبعض الطعام." يقول أبو عامر.

ووفقا لتقارير منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء والتقديرات الرسمية المحدثة في أيلول/ سبتمبر الماضي فإن نسبة البطالة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة تراوحت بين 80% وأكثر من 85%، كما توقفت القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية بشكل شبه كامل، مما أدى إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي وفقدان الملايين لمصادر دخلهم.

شملت البطالة جميع الفئات من عمال المهن اليومية وصولاً إلى أصحاب الكفاءات العالية كالأطباء والمهندسين والحرفيين الذين وجدوا أنفسهم بلا عمل.

وتشير البيانات إلى أن معدل البطالة في غزة بلغ 85.1% في الربع الثالث من عام 2025، مقارنة بنحو 18.9% للرجال و36.2% للنساء في الربع الثالث من عام 2023. كما انخفضت المشاركة في القوى العاملة في غزة بمقدار 12.2 نقطة مئوية خلال الفترة نفسها.

وأمام خيمة مجاورة يقف أحمد ماضي، لذي نزح في أيار/ مايو 2024 من مدينة رفح التي دمرتها آلة الحرب أيضا، فكان يعمل سائقا بأجر يومي قبل الحرب رغم محدوديته، إلا أنه كان يوفر لعائلته الاحتياجات الأساسية.

وفي إحدى الغارات تم تدمير بيته والسيارة التي كان يعمل عليها وانقطع مصدر دخله بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع.

يقول أحمد: "كنت أخرج من البيت وأنا أعرف أنني سأعود في نهاية اليوم ببعض المال. الآن أخرج ولا أعرف إلى أين أذهب".

ويضيف أنه مع استمرار الحرب أصبحت فرص العمل القليلة المتاحة مرتبطة أيضاً بإمكانية الوصول إلى مكان العمل، وبالوقود والمواصلات والأمان، وفي كثير من الأحيان، تتوقف هذه الفرص بمجرد تصعيد عسكري إسرائيلي أو تضرر المنطقة التي يوجد فيها مكان العمال.

أما أريج شاكر، فكانت تعتقد أن حصولها على شهادة جامعية سيمنحها فرصة لبناء مستقبلها. لكنها وجدت نفسها بعد الحرب أمام سوق عمل متوقف.

تقول: "كنت أبحث عن وظيفة تناسب تخصصي في علوم الحاسوب، أما الآن فأنا أبحث عن أي عمل. حتى العمل المؤقت أصبح فرصة نادرة".

وتُظهر بيانات منظمة العمل الدولية أن متوسط الأجر اليومي الحقيقي في غزة انخفض من 16 دولارًا في الربع الثالث من 2023 إلى 2.1 دولار فقط في الربع الثالث من 2025، أي أن القوة الشرائية للأجر تراجعت بشدة خلال عامين. كما فقدت الأجور الحقيقية للعاملين في القطاع الخاص 81.9% من قيمتها.

وتوضح منظمة العمل الدولية أن 74.8% ممن كانوا في غزة خارج قوة العمل في الربع الثالث من 2025، رغم رغبتهم في الحصول على وظيفة، قالوا إنهم لا يملكون أملًا في العثور عليها.

ولم تتضرر الوظائف وحدها. فقد تقلص الناتج المحلي الحقيقي في غزة بنحو 89% بين الربع الثالث من 2023 والربع الثالث من 2025، وفق أحدث تقييم لمنظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. كما تشير البيانات إلى خسارة تراكمية في دخل غزة بلغت نحو 2.77 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وعلى مقربة منهم يقول عبد الله سمحان النازح من شمال القطاع إلى جنوبه، إنه فقد عمله كحداد. وشكّلت ورشته "الصغيرة" مصدر دخله لسنوات لكن الحرب سلبت رزقه وأوقفت سلسلة كاملة من مصدر الرزق المرتبطة بها من موردين وزبائن، وعمال الذين كانوا يعتمدون على الورشة فقدوا رزق عائلاتهم.

وأضاف: "حتى عندما تتوفر فرصة مؤقتة للعمل، لا تعني بالضرورة أن الحياة عادت إلى طبيعتها، فالقصف المستمر، والنزوح، وتضرر الطرق والمنشآت، وصعوبة التنقل، وانقطاع الخدمات الأساسية، كلها تجعل الوصول إلى العمل والاستمرار فيه مهمة شاقة."

ويقول: "أحياناً أجد عملاً ليوم أو يومين، لكنني لا أعرف هل سأستطيع الوصول في اليوم التالي أم لا."

وبين الخوف من القصف والخوف من الجوع، يجد العامل نفسه أمام معادلة قاسية: الحاجة إلى العمل من جهة، والحاجة إلى الأمان من جهة أخرى وتوفير احتياجات أسرته الأساسية.

ووفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) الصادرة في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، لا يزال نحو 1.77 مليون فلسطيني يعيشون في 1,783 موقعاً للنزوح في قطاع غزة، بحسب بيانات مجموعة إدارة المواقع حتى 5 أكتوبر 2026.

ــــــــــ

/ م.ل

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا