غزة 2-11-2026 وفا- ريم سويسي
لم تعد أكياس الرمل في خيام النازحين القريبة مما يُعرف بـ"الخط الأصفر" في قطاع غزة مجرد وسيلة لتثبيت الخيام أو حمايتها من الرياح، بل تحولت إلى جدران وسواتر بدائية يتخذها أصحابها دروعاً في مواجهة رصاص الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة يائسة لحماية أطفالهم وأسرهم من الموت الذي قد يتسلل إليهم في أي لحظة.
في مشهد يلخص حجم الخوف الذي يعيشه هؤلاء النازحون، يصطف عشرات الأكياس الرملية داخل الخيام القماشية والبلاستيكية، بعضها على شكل جدران بمحاذاة الجهة التي تنطلق منها النيران، بعدما لم تعد أقمشة الخيام الرقيقة قادرة على حجب الرصاص، ولم يعد النوم أو الجلوس داخلها بعيداً عن خطر الإصابة أو الموت.
لم يكن هذا التدبير خياراً اتخذه النازحون لتحسين ظروف إقامتهم القاسية، بل ضرورة فرضها الخوف اليومي، بعد تسجيل إصابات ووفيات في صفوف مدنيين، بينهم أطفال، جراء إطلاق النار باتجاه مناطق نزوحهم، حتى باتت أكياس الرمل بالنسبة إليهم آخر ما يمكن الاستعانة به لحماية ما تبقى من أسرهم.
فالخيام التي يفترض أن تكون ملاذاً مؤقتاً للنازحين، تحولت في المناطق القريبة من "الخط الأصفر" إلى أماكن مكشوفة أمام الأعيرة النارية المنطلقة من الآليات العسكرية والرشاشات الثقيلة وطائرات الاحتلال المسيّرة، فيما لا توفر الشوادر والأقمشة البلاستيكية أي حماية تذكر لمن بداخلها.
يقول هاني شقفة (55 عاماً)، النازح من مدينة رفح إلى الحي النمساوي في محافظة خان يونس جنوبي القطاع، إنه يعيش مع أسرته المكونة من سبعة أفراد داخل خيمة، بعد أن اضطروا إلى النزوح من الحي السعودي في رفح.
ويستعيد شقفة لحظات الرعب التي عاشتها أسرته قبل نحو أسبوعين، حين أصيب نجله إبراهيم، البالغ من العمر سبع سنوات، برصاص أطلقته آليات عسكرية إسرائيلية متمركزة على بعد نحو 500 متر من خيمته، بمحاذاة ما يُعرف بالخط الأصفر.
ويقول: "كان ابني نائماً عندما أصابته الرصاصة، وأمضى أسبوعين في العناية المركزة، بعدما اخترقت رصاصة أُطلقت من دبابة جسده واستقرت في رئته وخضع لعملية جراحية كادت تودي بحياته".
ويضيف "بعد هذه الحادثة، أحضرت نحو 50 كيساً من الرمل، وصففتها على شكل جدار في الجهة المقابلة للآليات العسكرية الإسرائيلية، لعلها تحمي أطفالي من الرصاص".
ويصمت قليلاً قبل أن يتابع "للأسف، لا مكان آمناً نذهب إليه، فغزة كلها في مرمى الخطر. لم أعد أنام ليلاً من شدة خوفي على أطفالي، بعدما حدث مع إبراهيم".
ولم يكن شقفة الوحيد الذي اضطر إلى تحويل أكياس الرمل إلى ساتر يحمي عائلته؛ ففي مخيم حلاوة بجباليا شمالي القطاع، لجأ كمال خلة (32عاماً)، وهو نازح أيضاً، إلى الوسيلة ذاتها، بعدما بات إطلاق النار العشوائي جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في المخيم.
ويقول خلة "أصيب العشرات من أبناء مخيم حلاوة مؤخراً، بسبب قربه من الخط الأصفر. إطلاق النار العشوائي أصبح أمراً يومياً نعاني منه، ونخشى على حياتنا وحياة أطفالنا".
ويضيف "اضطررنا إلى إحضار عشرات أكياس الرمل ووضعها كسواتر ترابية في مواجهة الرصاص، حتى لا يخترق الخيام والشوادر التي نعيش فيها".
ويوضح أن "الأمر متعب جداً، لكن ليس أمامنا خيار آخر لحماية أطفالنا. فالشوادر والخيام رقيقة للغاية، ويمكن لرصاصة صغيرة أن تخترقها بسهولة، لذلك نرص أكياس الرمل فوق بعضها بعضاً بصورة رأسية".
وبعد لحظة صمت، يلخص خلة واقع أسرته وجيرانه بالقول: "الحياة في الخيام القريبة من الخط الأصفر خطر محدق، لكننا لا نملك مكاناً آخر نذهب إليه".
رصاص يطارد الأطفال حتى داخل خيامهم
ولا تقتصر مخاوف النازحين على احتمالات إصابة عابرة، فقد شهد القطاع حوادث دامية أودت بحياة أطفال وفتيات كانوا يمارسون تفاصيل حياتهم اليومية، بعيداً عن أي مواجهة.
ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، استشهدت الطفلة شهد عبد نعمان النجار، إثر إصابتها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي الذي استهدف خيام النازحين في منطقة جباليا شمالي القطاع، بينما كانت تؤدي واجباتها المدرسية داخل خيمتها.
كما استشهدت الطفلة تهاني محمد سعيد شلالفة (6 أعوام)، متأثرة بإصابتها برصاص أطلقته قوات الاحتلال باتجاه منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع.
وفي 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، استشهدت الطالبة رفيف لبد (17 عاماً)، برصاص قناص إسرائيلي، بينما كانت على سطح منزلها في منطقة الفالوجا بجباليا، في حادثة تركت أسرتها أمام مأساة جديدة تضاف إلى سلسلة الفقد التي عاشتها منذ بداية الحرب.
يقول والدها رائد لبد (48 عاماً)، وهو أب لثمانية أبناء، إن أسرته تسكن في منطقة الفالوجا، على بعد نحو 400 متر فقط من الخط الأصفر، وبالقرب من عدد من المواقع العسكرية الإسرائيلية.
ويستعيد تفاصيل اليوم الذي فقد فيه ابنته، قائلاً: "عادت رفيف من مدرستها نحو الساعة الواحدة ظهراً، وبدلت ملابسها، ثم علمت أن والدتها أعدت العجين، فقررت الصعود إلى سطح المنزل لخبزه في فرن الطين".
ويضيف "صعدت معها إلى السطح، وبينما كنت أملأ خزان المياه، كانت هي تجهز لإشعال الفرن. كانت المسافة بيننا نحو عشرة أمتار. وفجأة سمعت صوت شيء انفجر، ولم يخطر ببالي أن رفيف أصيبت".
ويتابع بصوت مثقل بالحزن "اعتقدت في البداية أنها وضعت شيئاً في فرن النار فانفجر، لكن بعد ثوانٍ ركضت نحوي واحتضنتني وارتمت في حضني. ظننت أنها خافت من صوت الانفجار، فربتُّ عليها لأطمئنها، ولم أكن أعلم أن ابنتي أصيبت إصابة قاتلة".
ويقول: "حاولت إسعافها بوضع العطر قرب أنفها، لكن دون جدوى. وعندما أضجعتها على ظهرها، رأيت بركة من الدماء تحتها، فأدركت أن إصابتها خطيرة. حملناها إلى المستشفى، وهناك أُعلن استشهادها".
ويغالب لبد دموعه وهو يتحدث عن اللحظات الأخيرة لابنته، قبل أن يضيف "والدتها لا تزال تعيش الصدمة حتى اليوم، أما الرصاصة التي استشهدت بها رفيف، وهي من عيار 250 بحسب ما أبلغنا، فما زلنا نحتفظ بها ذكرى لاستشهاد فلذة كبدنا".
ويختم قائلاً "أعيش في رعب، ولا أستطيع مغادرة المكان، لأنه لا يوجد بديل آمن في غزة كلها".
ولا تقف مأساة أسرة لبد عند فقدان رفيف؛ إذ يقول إن عائلته فقدت 15 شخصاً، بينهم والدته، منذ بداية الحرب، فيما فقدت زوجته 32 شخصاً من أفراد عائلتها.
الخط الأصفر.. مساحة تتقلص وخطر يتسع
وتأتي هذه الشهادات في ظل واقع ميداني وإنساني بالغ الخطورة، مع استمرار إطلاق النار والقصف والتوغلات العسكرية الإسرائيلية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، ولا سيما المناطق القريبة من مواقع انتشار قوات الاحتلال.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، فإن المناطق الخاضعة لقيود الوصول في قطاع غزة بلغت نحو 65% من مساحته، وفق تقرير نشر في حزيران/يونيو 2026، ما أدى إلى حصر السكان في مساحة محدودة ومكتظة، وسط استمرار النزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وكان ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" قد ظهر بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار التي دخلت حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، باعتباره خطاً يحدد مناطق انتشار القوات الإسرائيلية، غير أن تقارير الأمم المتحدة وثقت تحركات متكررة لهذا الخط باتجاه المناطق المأهولة، وتوسّع نطاق القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فقد تحقق المكتب من مقتل 331 فلسطينياً في محيط الخط الأصفر حتى نهاية تموز/يوليو 2026، بينهم 66 طفلاً و27 امرأة، مشيراً إلى أن بعض الضحايا قتلوا أثناء ممارسة أنشطة مدنية اعتيادية، ومنهم من استشهد داخل خيامه.
كما أفادت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، في تقريرها الصادر في 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بإصابة ستة نازحين على الأقل، بينهم طفل، ومقتل شخص داخل مرافق تابعة لها، في حوادث ارتبط معظمها بالرصاص الطائش.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد أكياس الرمل التي يصفّها النازحون داخل خيامهم مجرد محاولات بدائية للاحتماء، بل باتت شاهداً على حياة اختُزلت فيها أبسط مقومات الأمان إلى جدار من الرمل، لا يضمن النجاة، لكنه يمثل محاولة أخيرة لحماية الأطفال من رصاصة قد تنهي حياتهم وهم نائمون.
ــــــــ
ف.ع


