أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 21/02/2026 03:11 م

الرحيل المر عن الأغوار الشمالية

في ظروف صعبة، تعيش عدة عائلات في منطقة صافح تياسير شمال شرق طوباس، بعد رحيلها قسرا عن تجمع البرج في الأغوار الشمالية بسبب تصاعد عنف المستعمرين (تصوير: إسراء غوراني/ وفا)
في ظروف صعبة، تعيش عدة عائلات في منطقة صافح تياسير شمال شرق طوباس، بعد رحيلها قسرا عن تجمع البرج في الأغوار الشمالية بسبب تصاعد عنف المستعمرين (تصوير: إسراء غوراني/ وفا)


طوباس 21-2-2026 وفا- إسراء غوراني

في منطقة "صافح تياسير" شمال شرق طوباس استقر الحال بالمواطن سلمان زواهرة برفقة عائلته الصغيرة المكونة من الزوجين وطفلتهما الرضيعة ذات الأشهر المعدودة، بعد تهجيرهم قسرا من تجمع البرج في الأغوار الشمالية في أعقاب وصول عنف المستعمرين ضدهم إلى مستويات هي الأخطر.

خلال أسبوعين، تجرع سلمان مرارة التهجير مرتين، حيث كان يقيم مع ذويه في تجمع الميتة منذ سنوات طويلة، لكن في الثامن من شهر شباط/ فبراير الجاري، داهمت جرافات الاحتلال التجمع ودمرت مسكنه وحظائر مواشيه، بالإضافة إلى مساكن ذويه.

غدت العائلة بلا مأوى في طرفة عين فجلست على ركام مسكنها المهدوم حتى اليوم التالي، حينها هاجمتهم عصابات المستعمرين وشرعت بتدمير ما تبقى من متاعهم ومقتنياتهم وإتلاف ما لديهم من مواد غذائية، وأمام هذا العنف اضطروا للرحيل إلى تجمع البرج المجاور.

لم تمكث العائلة سوى أيام معدودة في تجمع البرج، حيث تتابعت عليهم اعتداءات المستعمرين بشكل خطير ليلا ونهارا، وصولا إلى ترحيل كافة العائلات البالغ عددها 15 عائلة، إلى مناطق متفرقة داخل الأغوار وفي محيطها.

الزوجة عائشة بمساعدة جارتها أم محمد واظبت على مدار اليومين الماضيين على لملمة ما تيسر من متاع وأقمشة وأغطية بلاستيكية لوضع طبقات فوق الخيمة المتهالكة التي نصبوها في "صافح تياسير"، على أمل تقويتها أمام الرياح، وتحقيق شيء من الدفء لطفلتها في هذا الجو البارد.

أم محمد، التي هجّرت أيضا مع عائلتها من تجمع البرج، تشفق على جارتها عائشة كونها أماً لطفلة رضيعة، وتعينها بكل ما أوتيت من قوة لتجاوز هذه الأيام الصعبة، وتقول إن "البرد في ساعات الليل قارس، ونحن نخاف من تدهور الوضع أكثر في حال سقوط الأمطار، خاصة أن الخيام التي أقمناها ضعيفة وبسيطة".

بمرارة بالغة، تتابع أم محمد حديثها بينما حافظت على شيء من ابتسامتها: "أمضيت الليلة الأولى من رمضان بالدعاء بأن يفرج الله كربنا. ما عشناه خلال الأشهر الماضية من خوف ورعب لا يمكن احتماله، فاعتداءات المستعمرين سلبتنا الطمأنينة وحرمتنا النوم".

وعلى بعد أمتار  يقف نايف فقير (أبو محمد)، تارة يتفقد مواشيه التي يعتاش منها، محاولا تقوية الحظائر المؤقتة التي أقامها لها، وتارة أخرى يفكر في كيفية تأمين الأعلاف والماء لها.

وبينما هو منشغل في كل ذلك، يقف شارد الذهن يفكر في المستقبل القريب وينظر بعين القلق من إمكانية تهجيرهم مجددا، خاصة بعد أن شاهد مجموعة من المستعمرين الذين هجروهم من تجمع البرج يعربدون على مقربة من موقعهم الجديد في تياسير.

يقول أبو محمد: "هذه هي عادتهم، يلاحقوننا من مكان إلى آخر لتهجيرنا مرة تلو الأخرى".

على مدار أشهر، وفقا لأهالي تجمعي البرج والميتة المهجّرين مؤخرا، تكاثرت عليهم اعتداءات المستعمرين من عدة بؤر استعمارية حديثة، ومن أقربها عليهم البؤرة المقامة قرب تجمع أم الجمال الذي تم تهجيره قبل أكثر من عام، والبؤرة المقامة حديثا قرب حاجز تياسير العسكري.

غدت البؤر الاستعمارية الرعوية تنتشر بكثرة في الأغوار والسفوح الشرقية للضفة الغربية بشكل غير مسبوق على مدار العامين الماضيين، وهذه البؤر أخذت على عاتقها تهجير التجمعات البدوية.

وتشير المعطيات الحديثة لدى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عدد البؤر التي أقامها المستعمرون بالضفة خلال العام الماضي 2025 بلغ 89 بؤرة غلب عليها طابع البؤر الرعوية، حيث يشكّل هذا الرقم تسارعا كبيرا في هذا المجال.

في هذا السياق، يشير مدير عام التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود إلى أن منطقة الأغوار تتعرض لمخططات استعمارية كبرى وفرض بيئة قهرية طاردة من قبل المستعمرين وجيش الاحتلال منذ عام 1967، بهدف إحكام السيطرة على الشريط الحدودي الشرقي للضفة، ومنح عمق استراتيجي للاحتلال على حساب المواطن الفلسطيني ووجوده.

ويضيف أن المرحلة الحالية تعد الأخطر كون سلطات الاحتلال باتت تنظر إلى مخططاتها في الأغوار الآن باعتبارها جاهزة للتنفيذ عبر التهجير الفعلي للتجمعات المقيمة فيها، فخلال الأسبوعين الماضيين تم تهجير ثلاثة تجمعات من الأغوار الشمالية وحدها، فيما بقيت تجمعات أخرى في غاية الهشاشة وهي معرضة للتهجير في أية لحظة أمام التصاعد الخطير لعنف المستعمرين الذين يتخذون البؤر الرعوية منطلقا لاعتداءاتهم على هذه التجمعات.

منذ عامين وحتى الآن أدت البؤر الاستعمارية الرعوية التي باتت تنتشر كالسرطان في الأغوار والسفوح الشرقية للضفة، إلى تهجير 70 تجمعا بدويا ورعويا، إما بشكل كامل أو جزئي، فيما بلغ عدد التجمعات المهجّرة منذ مطلع هذا العام 12 تجمعا، وفقا لآخر إحصائيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

يقول داود إن هذه البؤر عملت على فرض وقائع جغرافية جديدة على الجغرافيا الفلسطينية، كما أنها شكّلت نقطة حاسمة في تهجير التجمعات الرعوية عبر الاعتداءات المتصاعدة، فضلا عن الاستيلاء على موارد المياه والمراعي.

وتعقيبا على التغيير الخطير في البنية الديمغرافية في مناطق الأغوار في أعقاب عمليات التهجير المتلاحقة، يؤكد داود أن "البنية الديمغرافية في الأغوار أصيبت في مقتل منذ عقود أي منذ احتلالها عام 1967".

ويشير إلى أن سلطات الاحتلال اتخذت منذ بداية احتلالها للأغوار سياسات تخطيطية تمييزية أدت إلى حرمان المواطن الفلسطيني من حقه في البناء والتطوير، فضلا عن حرمانه من الوصول إلى مصادر المياه والمراعي، ومحاربته في مصدر رزقه.

ويرى داود أن الأداة التخطيطية طويلة الأمد لدى الاحتلال، القائمة على خلق بيئة قهرية طاردة للمواطنين ومنح المستعمرين تسهيلات وامتيازات كبيرة في المقابل، خلقت ميزانا ديمغرافيا مختلا في المنطقة، وجعلت أعداد المواطنين في تناقص جراء الترحيل المتواصل للتجمعات البدوية.

ــــ

/ع.ف

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا