أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 02/07/2026 05:43 م

زيتون زبوبا.. ذاكرة تقتلع ومصدر رزق يتلاشى تحت جرافات الاحتلال

خلال تجريف الاحتلال أشجار الزيتون في أراضي المواطنين في زبوبا (عدسة: محمد منصور/وفا)
خلال تجريف الاحتلال أشجار الزيتون في أراضي المواطنين في زبوبا (عدسة: محمد منصور/وفا)

 

جنين 2-7-2026 وفا – زهران معالي

على مدار ثلاثة أيام ماضية، وقفت عشرات العائلات في قرية زبوبا غرب جنين، عاجزة أمام مشهد الجرافات الإسرائيلية وهي تقتلع أشجار زيتون تجاوز عمر بعضها نصف قرن، وتحول الأراضي التي شكلت على مدار عقود مصدر رزقها وذاكرتها إلى مساحات جرداء.

وتشهد القرية منذ أشهر تصعيدا متواصلا في إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، شمل إغلاقات متكررة لمداخلها، قبل أن يمتد إلى استهداف الأراضي الزراعية عبر عمليات تجريف واقتلاع واسعة، طالت عشرات الدونمات ومئات أشجار الزيتون، وسط مخاوف من اتساع هذه العمليات لتشمل مساحات إضافية من الأراضي المحاذية لسياج الفصل والتوسع العنصري.

يقول رئيس مجلس قروي زبوبا زكي جرادات لـ"وفا"، إن القرية تعيش منذ نحو ثمانية أشهر تحت وطأة إجراءات إسرائيلية متصاعدة، بدأت بمداهمات للمنازل واعتقالات ميدانية وإغلاقات متكررة لمداخلها، قبل أن تتحول إلى استهداف مباشر للأرض.

ويوضح أن الاحتلال اعتاد إغلاق مداخل القرية كل شهرين أو ثلاثة أشهر بحجة "الدواعي الأمنية"، ثم يعيد فتحها لأيام قليلة قبل أن يغلقها مجددا، الأمر الذي قيد حركة المواطنين، وعزل القرية عن محيطها.

ويشير جرادات إلى أن الاحتلال أصدر إخطارات متتالية لإزالة أشجار الزيتون، بدأت باقتلاع خمسة دونمات، ثم توسعت إلى ستين دونما، وصولا إلى إخطار يستهدف 126 دونما، موزعة في ثلاثة مواقع في المنطقة الشمالية الشرقية من القرية.

لكن، بحسب جرادات، فإن ما جرى على الأرض تجاوز مساحة الإخطارات، إذ انتهت عمليات التجريف الأخيرة بتدمير أكثر من 120 دونما، واقتلاع نحو 1200 شجرة زيتون، رغم أن الجزء الأول الذي بدأت فيه عمليات التجريف لا تتجاوز المساحة المخطرة فيه 40 دونما.

ويحذر من أن استمرار التجريف بهذه الوتيرة قد يؤدي إلى تدمير نحو 500 دونم من الأراضي الزراعية، وهو ما يعني القضاء على معظم أشجار الزيتون في القرية، بعدما تحولت الأراضي الممتدة بين السياج الأمني ومنازل المواطنين إلى مساحات قاحلة خالية من الأشجار.

ويضيف أن أهمية هذه الأراضي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة بعدما اتجه كثير من أبناء القرية إلى الزراعة إثر فقدانهم أعمالهم داخل أراضي عام 1948 عقب عدوان الاحتلال على قطاع غزة عام 2023، لتصبح الأرض مصدر الدخل الرئيسي لعشرات الأسر.

ويرى جرادات أن ما يجري يندرج ضمن مخطط يستهدف الاستيلاء على مزيد من أراضي القرية وضمها إلى المناطق الواقعة خلف جدار الفصل العنصري، لافتا إلى أن مساحة زبوبا تقلصت من نحو 48 ألف دونم قبل عام 1948 إلى ما يقارب 1200 دونم فقط في الوقت الحالي.

ولا تختلف رواية المزارعين عن حجم الدمار الذي خلفته الجرافات. المواطن منير جرادات يقول إن أشجار الزيتون التي اقتُلعت تجاوز عمرها ستين عاما، وكانت والدته قد زرعتها وسقتها بنفسها عندما كان طفلا، إذ كانت تحمل جالونات المياه على رأسها، وتسير مئات الأمتار لري الغراس حتى كبرت وأثمرت.

ويضيف أن اقتلاع الأشجار لم يكن بالنسبة له خسارة زراعية فقط، بل اقتلاعا لذكريات عائلته، مستذكرا والدته التي ارتبطت حياتها بالأرض، ويقول بحرقة: "لو كانت أمي على قيد الحياة لما قبلت أن ترى هذا المشهد، وكانت ستموت تحت أشجار الزيتون قبل أن تسمح باقتلاعها".

ويؤكد أن ما أصابه، رغم قسوته، يبقى جزءا من معاناة أكبر تعيشها محافظة جنين، حيث تتعرض القرى والبلدات لسلسلة متواصلة من إجراءات الاحتلال التي تمس الإنسان والأرض معا.

أما المزارع سامر مقالدة، فيصف ما جرى بأنه تدمير كامل لمصدر رزق عائلته. ويقول إن الاحتلال دمّر مزرعته الأولى التي كانت تضم بيتا بلاستيكيا وثلاثة آبار مياه وبركة وعشرات أشجار الزيتون المعمرة، فيما تسلم إخطارا بإزالة مزرعته الثانية البالغة مساحتها 15 دونما، إضافة إلى بيت بلاستيكي، كما أُخطر أحد جيرانه بهدم منشآته الزراعية.

ويضيف أن خمس قطع أراضٍ تعود له ولإخوته، وتبلغ مساحتها نحو 15 دونما، تعرضت للتدمير الكامل، رغم أن أشجارها تجاوز عمرها خمسين عاما، مشيرا إلى أنه اضطر إلى إزالة البيت البلاستيكي بنفسه بعد تلقي الإخطار، ما أدى إلى تلف محصول الكوسا وخسارة تجاوزت 30 ألف شيقل.

ويؤكد أن الزراعة أصبحت مصدر الدخل الوحيد لخمس عائلات من إخوته بعد توقفهم عن العمل داخل أراضي عام 1948 منذ عام 2023، إلا أن الاحتلال استهدف هذا المورد أيضا، مقدرا إجمالي خسائره بأكثر من 300 ألف شيقل.

 

ويرفض مقالدة الادعاءات الإسرائيلية التي تتحدث عن "دوافع أمنية"، مؤكدا أن المنطقة تخضع لرقابة عسكرية دائمة، وأن ما حدث أدى إلى إزالة جميع الأشجار الواقعة بين منازل المواطنين و"السياج الأمني"، وتحويل المنطقة إلى أرض خالية تماما.

ويشير إلى أن ما تبقى من الأراضي الزراعية في زبوبا محدود، وأن استكمال تنفيذ إخطارات إزالة الأشجار سيحرم القرية من إنتاج الزيتون، الذي يشكل ركيزة أساسية في حياة سكانها واقتصادها المحلي.

وإلى جانب استهداف الأراضي، يواصل الاحتلال تشديد القيود على حركة المواطنين، إذ لا يزال معظم مداخل القرية مغلقا، فيما عُزلت منطقة الوعر، التي تضم نحو 16 منزلا، بعد إغلاق الطريق المؤدي إليها بالسواتر الترابية، ما أجبر سكانها على سلوك طرق وعرة سيرا على الأقدام للوصول إلى منازلهم والخدمات الأساسية.

وفي زبوبا، لا تبدو خسارة الزيتون مجرد خسارة لموسم زراعي أو لأشجار معمرة، بل تمثل بالنسبة لأصحابها فقدانا لذاكرة امتدت عبر أجيال، ولمورد رزق أصبح الملاذ الأخير لعشرات العائلات، في قرية تتقلص أراضيها عاما بعد آخر تحت وطأة الإجراءات الإسرائيلية.

ـــــــ

ز.ع /ر.ح

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا