أهم الاخبار

فاقد تعليمي يتراكم في غزة.. وأعباء إضافية تثقل كاهل الأسر

غزة 19-9-2026 وفا- ريم سويسي

لم يعد الفاقد التعليمي في قطاع غزة يقتصر على ما فات الأطفال من دروس ومناهج خلال سنوات الحرب، بل امتد إلى مهارات أساسية كالقراءة والكتابة والحساب، فيما تجد عائلات نفسها مضطرة إلى اللجوء لنقاط تعليمية ومراكز خاصة لتعويض أبنائها ما فقدوه، رغم أوضاع اقتصادية قاسية تحد من قدرتها على تحمل تكاليف إضافية.

ومع تضرر المدارس بشكل كبير وتعطل التعليم الوجاهي، تحولت النقاط والمساحات التعليمية المؤقتة إلى بديل أساسي لآلاف الأطفال، لكنها في الوقت ذاته أضافت عبئا ماليا على أسر أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، لتصبح مهمة تعويض الفاقد التعليمي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات التعليمية والمعلمين والأهالي.

ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الفاقد التعليمي (الفجوة بين ما يجب أن يتعلمه الطالب وما تعلمه فعلا) يهدد مستقبل 626 ألف طفل في قطاع غزة، أي ما يمثل 57.4% من إجمالي عدد الأطفال في القطاع.

ويقول هاني رشيد (34 عاما) وهو ولي أمر طالبين في المرحلة الابتدائية: "لدي طفلان في المرحلة التأسيسية وكلاهما لم يتأسس بشكل صحيح نتيجة الانقطاع عن التعليم التقليدي".

ويضيف: "أدفع شهريا مبلغ 300 شيقل (100 دولار) لطفليّ، حيث قمت بتسجيلهما في مركز تعليمي خاص بمعدل ساعة يوميا لثلاث مواد دراسية أساسية: اللغة العربية والإنجليزي، والرياضيات، وهما بحاجة للمزيد من الدروس الخصوصية والتقوية لكن وضعي الاقتصادي ليس جيدا، وليس بمقدوري أن أدفع أكثر".

ويتابع رشيد: "هذا الأمر يستنزف جيوبنا المستنزفة أصلا نتيجة انعدام فرص العمل بسبب حرب الإبادة على غزة، فأنا كنت أعمل مصمم جرافيك ولكني حاليا بلا عمل، وأعيل عائلة مكونة من خمسة أفراد".

أما المواطن أكرم الشيش (33 عاما) فيقول: "لدي ثلاثة أطفال في المرحلة الابتدائية والإعدادية وجميعهم يعانون من فاقد تعليمي كبير".

ويضيف: "لدي طفل في الصف الثاني وللأسف لا يمتلك مهارة الكتابة ولا القراءة وكأنه في مرحلة رياض الأطفال، كما لدي ابنة في الصف الرابع لا تمتلك مهارة حفظ المعلومة أو الكتابة عن غيب".

ويتابع الشيش: "ثلاثتهم بحاجة لدروس خصوصية لتعويض الفاقد التعليمي، لكن أنا جريح ولا أعمل، ولذلك لا أستطيع وضعهم في مركز تعليمي خاص لمتابعة مهاراتهم التعليمية".

ويوضح: "تقوم زوجتي بمتابعة الفاقد التعليمي لديهم وهي مهمة شاقة جدا، خاصة أن الأطفال يعانون وضعا نفسيا غير مستقر، فتشعر وأن ابنك غير مركز في التعليم أو الدراسة".

ومع استمرار الحرب وتعطل التعليم الوجاهي التقليدي، انتشرت في قطاع غزة مئات النقاط والمساحات التعليمية داخل خيام ومنازل وشقق ومبان مؤقتة، لكن ما بدا كحل سريع لتعويض غياب المدرسة استقر مع الوقت كجزء من المشهد التعليمي.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي أن عدد النقاط التعليمية التي تعمل ضمن تدخلاتها في غزة بلغ 359 نقطة، تستوعب نحو 170 ألف طالب وطالبة.

وبحلول النصف الأول من عام 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن شركاء قطاع التعليم ساعدوا 435 ألف طفل في الوصول إلى تعلم منظم من خلال 610 مساحات تعلم مؤقتة.

وتقول المعلمة نسرين البدري، تعليقا على الأمر: "لم تنتظم الدراسة في غزة إلا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، وهناك الكثير من الطلبة الذين لم يلتحقوا بالدراسة بسبب ظروف النزوح والواقع المُعاش، وبالتالي فقد أصبح هناك فاقدا تعليميا كبيرا بحاجة إلى جهد من أجل تعويضه سواء من المدرسين أو من الأهالي".  

وتضيف: "لدي طلاب درسوا الصف السابع والتاسع بينما الصف الثامن لديهم مفقود تعليميا ومعلوماتيا، وهذا الفاقد بحاجة لتعويض لاكتساب مهارات أساسية، وللأسف فإن تعويض هذا الفاقد يقع على كاهل الأهالي الذين يضطرون لتكبد عناء تدريس أطفالهم في نقاط تعليمية خاصة مكلفة نوعا ما، وإلا فإن هذا الفاقد التعليمي سيؤثر على التحصيل العام للطالب".  

وتشير إلى أن الخطة الدراسية للعام الماضي كانت تقتضي تدريس 4 مواد أساسية (الرياضيات، واللغة العربية، والانجليزية، والعلوم) لكن العام الحالي أضيفت مواد التكنولوجيا، والتربية الدينية، والتنشئة الاجتماعية، للمراحل الدنيا وتم اعتمادها من قبل الوزارة.

وتتابع: "نحن كمعلمين أحيانا نجتهد في محاولة تغطية جزء من الفاقد التعليمي لكن المهمة الأكبر تقع على كاهل أولياء الأمور، فالطالب الغزي بعمر 15 سنة متأخر عن نظيره بما يقارب 3 أو 4 سنوات دراسية كاملة في كل مادة أساسية".

وأشارت مصادر في وزارة التربية والتعليم العالي إلى أن "الوزارة تعمل حاليا بنظام التعليم السداسي في قطاع غزة أي أن المدرسة تعمل على 3 فترات للإناث و3 فترات للذكور وبذلك تكون المدرسة الواحدة وظيفيا تقوم بدور ست مدارس بسبب فقدان عدد كبير من المدارس التي دمرها الاحتلال في الحرب، لذلك فإن هناك حاجة ماسة لكل غرفة صفية". 

ووفقاً للمصادر ذاتها، "سيكون هناك 300 مدرسة ونقطة تعليمية خلال العام الحالي".

وتعكس أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حجم الانهيار الذي أصاب القطاع التعليمي في غزة، إذ تضرّرت نحو 98% من مباني المدارس، فيما تحتاج أكثر من 93% من المدارس إلى إعادة تأهيل أو إعادة إعمار كاملة.

وتشير المنظمة إلى أن نحو 700 ألف طفل بين سن الرابعة والسابعة عشرة حرموا من التعليم الوجاهي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما لا يحصل نحو 420 ألف طفل على أي تعليم وجاهي.

وانطلق اليوم السبت العام الدراسي الجديد لطلبة قطاع غزة، في ظل ظروف استثنائية، وذلك بعد انقطاع دام 3 سنوات بسبب حرب الإبادة.

وأوضحت وزارة التربية والتعليم العالي، أن انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027 في قطاع غزة، جاء بعد استكمال الترتيبات اللازمة وتقييم الواقع التعليمي، عبر مسارات تعليمية متعددة لتراعي ظروف جميع الطلبة داخل القطاع، وخارجه.

وعزت الوزارة تأخير بدء العام الدراسي في غزة إلى أسباب فنية ولوجستية، ومراعاة لظروف الطقس وارتفاع درجات الحرارة، خاصة أن جزءا كبيرا من الطلبة سيتلقون تعليمهم في خيم وكرافانات.

وأوضحت أن العملية التعليمية ستنظم وفق مسارين أساسيين (الوجاهي والافتراضي) لضمان انتظام التعليم واستمرار مسيرة الطلبة، وذلك على عدة نواحي أهمها التعليم الوجاهي، وهو مخصص للطلبة المتواجدين داخل قطاع غزة القادرين على الالتحاق بالمدارس الوجاهية.

وتستند خطة الوزارة في غزة إلى التوسع في التعليم الوجاهي، من خلال توفير نحو 700 نقطة تعليمية موزعة في مختلف المناطق، إلى جانب 25 مدرسة مؤقتة من المتوقع تسلمها قريبا.

ويبلغ عدد الطلبة المستفيدين من العملية التعليمية في القطاع نحو 541 ألف طالب وطالبة، بينهم نحو 100 ألف في مدارس "الأونروا".

وبينما تستعيد العملية التعليمية حضورها تدريجيا في قطاع غزة، يبقى تعويض ما فاته الأطفال خلال سنوات الحرب تحديا يتجاوز استئناف الدراسة، ليشمل استعادة المهارات الأساسية وردم فجوات تعليمية تراكمت، في ظل حاجة متزايدة إلى جهود مؤسسية ودعم يخفف عن الأسر عبء تعويض أبنائها.

ـــــ

/ و.أ

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا