رؤية 2030 تنقل وكالة بيت مال القدس من الدعم المباشر إلى بناء الأثر المستدام
القدس 30-9-2026 وفا- قال المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، إن العاهل المغربي الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يضع قضية القدس في صلب اهتماماته، من خلال توجيه الدبلوماسية المغربية لإسناد المؤسسات الشرعية الفلسطينية، وتوجيه الوكالة للإسهام في الحفاظ على المدينة وموروثها الديني والحضاري ودعم سكانها.
وأكد الشرقاوي، في حديث لمناسبة اختتام زيارته إلى فلسطين، أن رؤية الوكالة في أفق عام 2030 تقوم على تأمين الانتقال التدريجي من الدعم المباشر إلى بناء الأثر المستدام، عبر التمكين الاقتصادي والاجتماعي وتطوير الحكامة والرقمنة وتنويع مصادر التمويل.
وأضاف أن اللقاءات التشاورية التي عقدها على مدى ثلاثة أيام في رام الله والقدس مع الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والاجتماعيين والمرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية، شكلت محطة لبلورة مخطط العمل للفترة 2027-2030، انطلاقا من مبدأ "الاستدامة في التخطيط والعمل"، والاستماع إلى مقترحات الشركاء بشأن أولويات المرحلة.
وأوضح أن المشاورات شملت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، ووزارة شؤون القدس، ومحافظة القدس، والمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، والهيئات الإسلامية والمسيحية، ومديرية التربية والتعليم، وشبكة مستشفيات القدس الشرقية، والغرفة التجارية والصناعية، واتحاد الجمعيات الخيرية، والائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس، وجامعة القدس، إلى جانب بنك فلسطين.
وقال الشرقاوي إن هذه الاجتماعات أظهرت ترحيب الشركاء الفلسطينيين بالمقاربة التشاركية، مثمّنين تشكيل لجنة استشاريين من خبراء فلسطينيين لوضع الخطة، لا سيما فيما يتعلق بالتمويل وآليات الحكامة والتتبع وتقويم أثر المشاريع على الأرض.
وأضاف أن آراء مختلف الأطراف تتفق على أن الانتقال من برامج المساعدة الإنسانية المباشرة إلى مشاريع التمكين ودعم القدرات من شأنه أن يكون له أثر كبير في مساعدة المستفيدين على تملك الأدوات التي تمكنهم من تحقيق نوع من الدخل المستدام من خلال المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يطرحونها على المؤسسة.
رؤية ترتكز على التمكين والاستدامة
وقال الشرقاوي إن الرؤية الجديدة تستند إلى توجيهات الملك محمد السادس، وإلى الوثائق المماثلة التي سبق للدوائر الفلسطينية طرحها على الهيئات المانحة، وإلى التجربة الميدانية المتراكمة للوكالة منذ دخولها حيز العمل عام 1998، ومراعاة التحولات المتسارعة التي تشهدها القدس ومحيطها وتزايد الاحتياجات والطلبات على الدعم.
وأوضح، في هذا السياق، أن مرصد "الرِّباط" للملاحظة والتتبع والتقويم، وهو آلية تابعة للوكالة في القدس، يوفر مؤشرات آنية على الحالة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة، بما يساعد على وضع أولويات العمل، مشيرا إلى أن برامج المساعدة والتمكين الاجتماعي لا تزال تحتل موقع الصدارة في عمل الوكالة، بالنظر إلى صعوبات الوضع الاقتصادي في القدس نتيجة آثار حرب غزة في الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام.
وشدد على أن الفاعلين المقدسيين سيكونون شركاء في التخطيط والتنفيذ، وليسوا مجرد مستفيدين، مؤكدا أن مجالات التدخل ستتركز على المحافظة على الرصيد التاريخي والحضاري والتراثي للمدينة المقدسة، وتعزيز صمود السكان عبر برامج مبتكرة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
ثلاثة محاور و10 برامج لترجمة رؤية 2030 على الأرض
وأكد الشرقاوي أن رؤية وكالة بيت مال القدس الشريف 2030 تنتظم حول ثلاثة محاور إستراتيجية: تفعيل آليات الحكامة الإدارية والرقمنة والالتزام بمواصفات الجودة العالمية، وتحسين موارد الوكالة وتنويع مصادر التمويل، ومخطط العمل المندمج لدعم القطاعات الاجتماعية 2027-2030.
وأضاف أن الحكامة والرقمنة توفران أدوات العمل، وتنويع الموارد يعزز شروط الاستدامة، فيما تمثل البرامج العشرة الترجمة الميدانية لرسالة الوكالة في القدس.
وقال الشرقاوي إن مخطط العمل للفترة 2027-2030 يقوم على 10 برامج تجمع بين مواصلة تدخلات الوكالة الأساسية وتطوير مجالات جديدة تستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، بميزانية أمان سنوية قدرها 7 ملايين دولار، يضاف إليها ما ستتمكن المؤسسة من تعبئته من موارد إضافية في إطار الحلول التي تقترحها الخطة.
وأوضح أن المنظومة المندمجة لدعم التعليم والتدريب في القدس تركز على المدارس والكليات والطلبة، وتحسين البنيات والتجهيزات التعليمية، فيما يستهدف برنامج الصحة والصحة الرقمية والحماية الاجتماعية تطوير الخدمات الصحية والبنية والتجهيزات وتوفير الأدوية الضرورية.
وأشار إلى أن منصة بيت مال بلاس (+BMAQ) ستعمل على تطوير أدوات جمع التبرعات والاستفادة من التحول الرقمي، واحتضان مشاريع الشباب وتطوير منصتي "الدلالة" و"هيا" ضمن الإستراتيجية الرقمية للوكالة، فيما ستواصل الوكالة دعم الإسكان وترميم البنايات وإعادة الاعتبار للبلدة القديمة وتحسين ظروف عيش السكان.
وأوضح أن برنامج المبادرات الأهلية للتنمية البشرية يركز على دعم المبادرات المحلية وحماية الموروث العمراني والديني وصيانة المباني الأثرية والمساجد والبنايات القديمة، فيما يستهدف برنامج التنمية الاجتماعية وحملات الدعم الإنساني العائلات المعوزة والفئات الهشة والمؤسسات التي تكفل أشخاصاً في وضعية صعبة.
وأكد الشرقاوي أن مخطط دعم الصناعات الثقافية والأبحاث والإعلام والتوثيق يُعنى بالمراكز الثقافية والفنون والبحث والتوثيق وصيانة الذاكرة والتراث والهوية الفلسطينية، فيما يركز مخطط خدمة المرأة والشباب والطفولة والرياضة على تنمية القدرات وتوفير فضاءات آمنة ودعم المؤسسات المجتمعية.
وشدد على أن برنامج حيازة العقارات وتنمية الوقف يمثل أولوية لحماية العقارات وتثبيت السكان، واقتناء المباني ووقفها لخدمة التعليم والصحة والأعمال الثقافية والاجتماعية، مشيراً إلى عقار الزاوية النقشبندية نموذجاً مغربياً في هذا المجال.
وذكر أن برنامج دعم التجارة والسياحة والخدمات يستهدف تنشيط الحركة التجارية والسياحية، ودعم الصناعة التقليدية والحرفيين وتسويق منتجاتهم في البلدة القديمة.
وقال الشرقاوي إن من مبادئ الخطة اعتماد قاعدة "الرصيد قبل المساعدة"، بحيث يترك كل تبرع أثرا مستداما، ويصل إلى المستفيدين المستحقين وفق أولويات العمل في المدينة وحسب خصوصياتها.
وأوضح أن قياس أثر المشاريع في المستفيدين من شأنه أن يمنح الوكالة إمكانية التدخل في الوقت المناسب للتأكد من إيصال الأموال إلى مستحقيها، مؤكدا أن معايير معالجة طلبات التمويل التي تصل إلى الوكالة من الأفراد والجمعيات والمؤسسات تأخذ بعين الاعتبار، قبل كل شيء، مبادئ الشفافية والنزاهة والمحاسبة والتتبع والتقويم.
وقال إن الوكالة تضع نصب أعينها ما توفره هذه الطلبات من إمكانيات للتشغيل الذاتي، وخلق الثروة، وتوفير فرص العمل للمستفيدين، مع الاستثمار في الثروة البشرية والرياديين وجيل الثورة الرقمية، والعمل على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم والرفاه الاجتماعي للفئات المحتاجة، خصوصا في ضواحي القدس وقرى المحافظة.
نجاح الرؤية يرتبط بتعبئة الموارد وتحويلها إلى مشاريع لفائدة المقدسيين
وقال الشرقاوي إن نجاح الرؤية يرتبط بقدرة الوكالة على تعبئة الموارد والإمكانات المادية والخبرات والشراكات، وتحويلها إلى مشاريع وبرامج ملموسة لفائدة المقدسيين.
وأضاف أن الوكالة تعمل على تطوير منصة جمع التبرعات الإلكترونية، واستثمار الأموال والوقف المنتج، وعلامة "صنع لأجل فلسطين" (Made for Palestine)، والاستفادة من عوائد المسؤولية الاجتماعية للشركات، إلى جانب توسيع قاعدة الشركاء والمتبرعين واستكشاف آليات جديدة للتمويل.
وأوضح أن التمويل الموجه إلى وكالة بيت مال القدس الشريف يبقى مغربيا بالكامل منذ عام 2011، وأن الوكالة لم تتلق منذ ذلك الحين أي تمويل من أية جهة أخرى.
وشدد على أن الوكالة ستواصل عملها في القدس، تنفيذا لتعليمات الملك محمد السادس، كآلية للتنمية المستدامة، تجمع بين برامج الإسناد الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجا، ومشاريع التمكين الاقتصادي والتنمية البشرية، ودعم المقاولات الناشئة في مجالات التجديد والابتكار.
وقال إن الهدف هو تحويل الموارد والخبرات والشراكات إلى مشاريع ذات أثر مستدام تستجيب لاحتياجات القدس وسكانها، وتعزز قدرة الوكالة على مواصلة رسالتها في خدمة المدينة وأهلها.
ــ
م.ج


