أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 07/09/2026 05:05 م

طفولة بلا ملاذ

 

طوباس 7-9-2026 وفا- الحارث الحصني

عند الطرف الشرقي لمدينة طوباس، وقبل أن تتوارى الشمس خلف الجبال البعيدة غربًا، كانت ريف رشايدة (12 عامًا) تلهو بحذر شديد مع شقيقها عيد (9 أعوام)، بعد لحظات من مرور أحد المستعمرين وهو يقود مركبته بالقرب من خيام والدهما.

ورغم خطورة الواقع كان يجب على الأطفال إكمال اللهو واللعب، لكن تحت أنظار والديهما.

ليست طوباس المحطة الوحيدة التي كان إرهاب المستعمرين يطارد هذين الطفلين فيها منذ عام 2021 وحتى اليوم. فالمتتبع لمحطات الإقامة التي مرت بها عائلة الأطفال يدرك، بلا شك، أن طفولتهم كانت، على الدوام تحت خطر المستعمرين المسلحين.

تقول رشايدة: "كنا في بيت لحم حتى عام 2021، وارتحلت عائلتنا بسبب تصاعد اعتداءات المستعمرين قرب طوباس، ومن ثم إلى مكان آخر".

في خربة يرزا، على بعد بضعة كيلومترات شرق طوباس، لم يكن الحال أفضل، بل بالعكس تمامًا، فكل الشواهد الحية كانت تؤكد أن خطر المستعمرين كان أشد على الأطفال.

يقول سلامة رشايدة، والد الأطفال: "صارت طفولتهم في خطر(...)، هؤلاء أطفال لا يدركون معنى إرهاب المستعمرين".

منذ تموز/ يوليو 2025، استجابت اليونيسف لاحتياجات أكثر من 1,600 أسرة نازحة في أنحاء الضفة الغربية، من بينها أكثر من 800 طفل.

يعطي هذا الرقم انطباعًا واضحًا بأن حوالي نصف الذين هم بحاجة إلى متابعة ميدانية أطفال.

في عام 2026، هُجّر، حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ما يزيد على 2,300 فلسطيني في شتى أرجاء الضفة الغربية بسبب هجمات المستعمرين وما يرتبط بها من القيود المفروضة على الوصول.

ويعكس هذا التهجير نمطًا أوسع من هجمات المستعمرين وما يقترن بها من القيود التي تُفرض على الوصول، والتي ازدادت حدتها في شتى أرجاء الضفة الغربية منذ شهر كانون الثاني/ يناير 2023.

ووصل العدد الكلي للفلسطينيين الذين قُتلوا على يد الاحتلال والمستعمرين في الضفة الغربية في عام 2026 إلى 63 فلسطينيًا، من بينهم 15 طفلًا، كما ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 1,109 فلسطينيين، بمن فيهم 243 طفلًا.

تصف الطفلة ما تعيشه باختصار واضح، عندما قالت لـ"مراسل وفا"، إن كلمة "مستعمر" وحدها أصبحت مصدرًا للخوف والرعب.

أصبح الشريط الشرقي لمحافظة طوباس، منذ سنوات قليلة ماضية، واحدا من المناطق الملتهبة في الضفة الغربية، فلا يمر يوم فيه دون توثيق اعتداءات ينفذها المستعمرون ضد المواطنين.

ولهذا السبب، تقلصت مساحة اللهو لدى أطفال العائلة كافة، وأصبح اللهو فقط على مسافة قريبة جدًا من الخيام.

بالقرب من شارع ترابي يربط طوباس بخربة يرزا، يلعب أشقاء ريف بدراجات هوائية متهالكة، لكن صوت محرك مركبة قادمة من بعيد يثير الرعب في نفوسهم.

واقفا عند طريق ترابية تمر بمحاذاة خيام عائلته، يقول الطفل عيد: "لم يقدم هذا الفضاء متسعاً لنا للهو بسبب مرور المستعمرين المتكرر من حولنا".

يقول والدهم إنهم، بعد كل هذه السنوات التي عاشوها تحت اعتداءات المستعمرين، صارت كل المركبات بالنسبة إليهم مصدر خوف ورعب.

منذ سنوات، بدأت حركة دؤوبة للمستعمرين في منطقة يرزا، وعينون المكان الذي تسكن فيه عائلة رشايدة اليوم.

قبل خمسة أشهر، رحلت العائلة من خربة يرزا، في عملية تطهير عرقي حدثت في الأغوار الشمالية بسبب اعتداءات المستعمرين، التي أدت إلى تهجير ثمانية تجمعات فلسطينية بالكامل، حسب مركز المعلومات الإسرائيلي في الأراضي المحتلة "بتسيلم".

تنقلت العائلة في الفترة التي قضتها في محيط طوباس عدة مرات، بعد أن حاول مستعمرون إقامة بؤرة استعمارية قرب خيامهم.

تقول إحصاءات الأمم المتحدة إنه بين شهر كانون الثاني/ يناير 2023 ويوم 29 حزيران/ يونيو 2026، شهد 121 تجمعًا سكانيًا في أنحاء الضفة الغربية تهجيرًا كليًا أو جزئيًا، وكانت أغلبيتها من التجمعات البدوية والتجمعات الرعوية في المنطقة (ج).

ومن بين هذه التجمعات، هُجّر 46 تجمعًا بالكامل، بما فيها 10 تجمعات هُجّرت حتى الآن في عام 2026. وفي الإجمال، هُجّر حوالي 6,200 فلسطيني (بمن فيهم أكثر من 3,000 طفل) في هذا السياق منذ عام 2023، ومن بينهم أكثر من 2,300 شخص (يزيد عدد الأطفال بينهم على 1,000) في عام 2026 وحدها.

وفي مختلف أنحاء الضفة الغربية، أدت عمليات الهدم غير المرخصة، وعنف المستعمرين، وما يرتبط بها من قيود على الوصول، حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى نزوح ما معدله 17 شخصًا يوميًا، بينهم ثمانية أطفال، خلال عام 2026، أي ضعف المعدل اليومي المسجل خلال السنوات الثلاث السابقة.

في آذار/ مارس الماضي، هُجّرت عائلة سلامة مع 14 عائلة فلسطينية من خربة يرزا إلى مناطق قريبة، استقرت العائلة، بعد أيام من الترحال المستمر، في منطقة "عينون" في سهل طوباس.

بالعودة إلى عام 2021، كان لدى العائلة خمسة أطفال، بينما وصل عددهم اليوم إلى ثمانية، يقول والدهم: "رُزقنا بثلاثة أطفال بعد تهجيرنا من بيت لحم، ونحن ندرك أن الخطر ملازم لنا".

قالت منظمة "أنقذوا الأطفال" إن أكثر من 1000 طفل فلسطيني نزحوا بسبب تصاعد عنف المستعمرين في الضفة الغربية في الأشهر الستة الأولى من عام 2026، ما تسبب في اضطرابات شديدة في تعليم الأطفال وسلامتهم وشعورهم بالرفاهية.

ويمثل عدد النازحين، حسب المنظمة، نصف العدد الإجمالي للأطفال الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم بسبب عنف المستعمرين على مدار السنوات الثلاث السابقة بأكملها، إذ هُجّر حوالي 2000 طفل قسرًا بين كانون الثاني/ يناير 2023 وكانون الأول/ ديسمبر 2025.

وأبلغ أطفال وعائلات فلسطينية منظمة "أنقذوا الأطفال" أنهم يعيشون في خوف دائم من هجمات المستعمرين المدعومين من الحكومة الإسرائيلية والذين أحرقوا المنازل والمركبات والأراضي الزراعية، وهاجموا المدارس، ودمروا الممتلكات وسرقوا الماشية، وارتكبوا اعتداءات عنيفة وأعمال ترهيب تحت تهديد السلاح.

تدريجيا، تختفي الشمس خلف الجبال الغربية وتتلاشى خيوط النور الأخيرة، لتؤذن بحلول ليلة جديدة لا يغمض فيها جفن الأب، حارسا أطفاله بعين لا تنام وسط مخاوف لا تنتهي من اعتداء جديد ينفذه المستعمرون.

ـــــ

/ م.ل

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا