الرئيسية تقارير وتحقيقات تاريخ النشر: 30/04/2022 10:00 ص

البحث عن الرزق بين الرصاص

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 

جنين 30-4-2022 وفا– زهران معالي

في العاشر من نيسان الجاري، غادر العامل الفلسطيني "م. ق" منزله بإحدى قرى نابلس برفقة اثنين من زملائه، في الواحدة والنصف فجرا، إلى إحدى فتحات جدار الفصل العنصري في قلقيلية، للبحث عن لقمة عيش كريمة داخل أراضي عام 1948.

ما أن اجتاز "م. ق" (25 عاما) فتحة الجدار، برفقة زميليه، حتى تفاجأوا بعدد من جنود الاحتلال يرتدون الزي المدني يشهرون السلاح بوجوههم، وأنهالوا عليهم بالضرب المبرّح.

يروي العامل الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لمراسل "وفا"، "رحلة النجاة من الموت" وفق قوله، بعدما انهال الجنود بالضرب عليهم ما أدى لإصابته بكدمات بقدمه، فيما أصيب زميلاه بالصدر والقدمين، تمكنوا من الفرار رغم إصابتهم، فهاجمهم جيش الاحتلال بالغاز المسيل للدموع، وجرى نقلهم لاحقا إلى إحدى مستشفيات مدينة قلقيلية.

ومنذ 30 مارس/ آذار الماضي، اتخذ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر "الكابينيت"، قرارا بإغلاق كافة فتحات الجدار، ضمن مجموعة من قرارات العقاب الجماعي التي أقرها الاحتلال على الفلسطينيين.

ويشير "م. ق" إلى أنه اعتاد منذ قرابة العامين على العمل في أراضي عام 1948، بالاجتياز يوميا عبر فتحات الجدار، رغم المخاطر المحدقة، حيث يعمل عادة بين 14-18 يوما في الشهر، وأحيانا لا تتجاوز عشرة أيام، نتيجة اعتداءات الاحتلال.

ويضيف: أنه لم يتمكن منذ اتخاذ حكومة الاحتلال قرارها بإغلاق فتحات الجدار نهاية مارس/ آذار من العمل بمجال البناء في الداخل، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على تصريح عمل، كونه أعزب.

ويصادف يوم غد الأول من أيار، يوم العمال العالمي الذي يعتبر إجازة رسمية بغالبية دول العالم وضمنها فلسطين، تكريما للعمال، وتأكيدا على دورهم الوطني، إلا أن معاناة العمال الفلسطينيين ما زالت مستمرة إثر ممارسات الاحتلال ضدهم، سواء بالإهانات عبر الحواجز أو إصدار التصاريح للعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وما تشرعه حكومة الاحتلال من قوانين وقرارات صارمة بحجة الأوضاع الأمنية، تقيد من دخولهم للعمل داخل الخط الأخضر.

ووفق الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين شاهر سعد، فإن 138 ألف عامل فلسطيني يعملون بسوق العمل الإسرائيلية 70%، منهم يعملون في قطاع البناء والتعمير، ويملك 70 ألف عامل وعاملة منهم تصاريح دخول نظامية فقط، فيما يضطر 68 ألف آخرين للتهريب عبر فتحات الجدار.

ويوضح سعد لـ"وفا"، أن 31 ألف عامل وعاملة يعملون بالمستعمرات الإسرائيلية، مشيرا إلى أن معدل أجر العامل في سوق العمل الإسرائيلي والمستعمرات يتراوح بين 261 شيقلا إلى 264 شيقلا.

وينوه إلى أن 72% من العمال المتواجدين بسوق العمل الإسرائيلي يعملون بأجر يومي أو شهري، منهم 27% يعملون لحسابهم الخاص كمقاولين سماسرة، أو شركاء مع أرباب عمل إسرائيليين.

ويؤكد سعد أن 51% من العمال والعاملات في سوق العمل الإسرائيلي يعملون بلا عقد عمل، ويقع تصنيفهم في هذه الحالة تحت باب العمالة غير المنظمة، رغم حيازتهم للتصاريح اللازمة لاجتياز الحدود مع إسرائيل.

ويشير إلى أن هذا يعني انهم عرضة للحرمان من كامل أو جل حقوقهم الاجتماعية كالحق في التأمين الصحي والمتابعة الطبية، وحق الحصول على الإجازة العادية والطارئة وحق الحصول على مكافأة نهاية الخدمة، والانتفاع من صندوق المرضى وغير ذلك من حقوق يحصل عليها العامل النظامي في سوق العمل الإسرائيلية.

ويؤكد سعد أن العمال الذين يضطرون للدخول عبر فتحات الجدار يتعرضون بشكل دائم لاعتداءات الاحتلال سواء بالضرب، أو إطلاق النار، وقنابل الغاز، الأمر الذي أدى لإصابات عشرات العاملين واستشهاد بعضهم.

وينوه إلى أن حكومة الاحتلال أقرت موازنة تبلغ 400 مليون شيقل لإغلاق الفتحات بجدار الفصل العنصري، مستغلة الأحداث الأمنية الأخيرة لتنفيذ المشروع، مشيرا إلى أن الاحتلال كان يخطط للمشروع منذ زمن واستغل الأحداث الأخيرة لتطبيقه.

ويتعرض العمال الفلسطينيون لابتزاز سماسرة بيع تصاريح الدخول لإسرائيل طلباً للعمل، وهي ظاهرة إجرامية تكونت كخلاصة لتواطؤ الحكومة الإسرائيلية مع رجال أعمال وضباط مخابرات إسرائيليين؛ ومن يعمل معهم من فلسطينيين، وجميعهم يشكلون منبع الظاهرة المزدهرة خارج نطاق القانون وخارج الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ومنها اتفاقية باريس الاقتصادية، لا سيما المادة (37) منها، التي حددت مرجعية دخول وخروج العمال من وإلى إسرائيل بمكاتب الاستخدام الإسرائيلية والفلسطينية، وليس سماسرة بيع التصاريح أو غيرهم، وفق الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين.

وحول الإعلان الإسرائيلي عن تحويل رواتب العمال الفلسطينيين عبر البنوك بداية شهر آب/ أغسطس المقبل، يشير سعد إلى أن رواتب العمال الفلسطينيين وفق معطيات البنك المركزي الإسرائيلي تتراوح بين مليار ومليار و150 مليون شيقل شهريا.

ويوضح أن الإعلان كان بشكل مفاجئ من قبل الاحتلال من جانب واحد، مشيرا إلى أن قرار تحويل الأجور للبنوك سيلزم المشغلين الإسرائيليين بقانون العمل الإسرائيلي، والحد الأدنى للأجور الإسرائيلي، ويحفظ حقوق العامل بالتأمين والاقتطاعات، وكذلك سيحقق فائدة للجانب الإسرائيلي فيما يتعلق بتهرب المشغلين الإسرائيليين من الضرائب.

وينوه إلى أن رواتب العمال التي ستحول إلى حساباتهم الشخصية في البنوك الفلسطينية لن تشهد أية ضرائب أو اقتطاعات من قبل الحكومة الفلسطينية، وذلك وفق اتفاقه مع رئيسي سلطة النقد والشؤون المدنية الفلسطينية، اللذين أكدا أنها حسابات خالصة للعمال، ولا يحق لأحد التصرف فيها إلا العامل نفسه.

وأشار إلى أن قرابة ثمانية آلاف عامل يعملون داخل الخط الأخضر تحول رواتبهم منذ سنوات إلى البنوك الفلسطينية.

ووفق وزارة العمل الفلسطينية، فإن أكثر من 250 فتحة أحدثها الفلسطينيون على طول الجدار والسياج العازل الذي بنته دولة الاحتلال على الخط الأخضر الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1967، وأراضي عام 1948، والممتد على طول الضفة الغربية، يضطر العمال لاستخدامها إثر حرمانهم من الحصول على تصاريح عمل رسمية.

وإلى الغرب من مدينة جنين، يبدو مشهد التأثير جليا على قرية عانين وغيرها من القرى الممتدة على طول السياج الفاصل مع أراضي عام 48، بعدما أغلقت قوات الاحتلال فتحات الجدار، وأقامت خيام لجنودها قربها، لمنع العمال من الدخول لأماكن عملهم.

ويقول رئيس مجلس قروي عانين محمد عيسى لـ"وفا"، إن الفرق بين ما قبل نهاية مارس/ آذار وما بعده كالفرق بين السماء والأرض، حيث أثر الإغلاق على حياة قرابة 4-5 آلاف عامل من شمال الضفة، كانوا يمرون يوميا على طول السياج الفاصل الذي يحيط بالقرية من ثلاث جهات.

ويشير إلى أن إغلاق الفتحات التي تصل بين القرية ومدينة أم الفحم، أدى لقطع مصدر دخل رئيسي لعشرات العائلات كانت تعمل بأكشاك بيع الطعام والمشروبات والسجائر هدمها الاحتلال، إضافة لقطع أرزاق أصحاب مواقف مركبات العمال قرب الجدار، وتراجع الحركة الاقتصادية التي نشطت خلال الفترة الماضية لمحلات البلدة والمركبات العمومية.

ويضيف إلى أن أصوات إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز لم يتوقف منذ اتخاذ القرار، فمع ساعات منتصف الليل تهاجم قوات الاحتلال العمال الذين يحاولون اختراق الجدار إلى المجهول بهدف البحث عن رزقهم، حيث تعرض عدد من العمال للإصابات، كما باتت حياة عشرات المنازل القريبة من الجدار صعبة إثر استهدافها بقنابل الغاز المسيل للدموع.

ومؤخرا تفاجأ أهالي البلدة بإلقاء طائرات الاحتلال لمناشير تحمل تحذيرات للعمال والأهالي بالاقتراب من فتحات الجدار، تضمنت تهديدا واضحا بإطلاق الرصاص الحي على كل من يحاول الاجتياز إلى الجدار، وفق ما يؤكد عيسى.

ــــ

/س.ك

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا