غزة 23-10-2026 وفا- ريم سويسي
يجلس المواطن ربيع الداية (65 عاما) أمام خيمته التي نزح إليها قبل عام تقريبا وهو يفرك كفا بكف، بعدما قرأ خبرا مفاده أن برنامج الأغذية العالمي قرر تقليص المساعدات التي يحصل عليها المواطن الغزي كل ثلاثة أشهر.
بملامح يعلوها القلق والترقب، يعيش الداية أحوالا نفسية واقتصادية خانقة، وهو الذي يعيل عائلة مكونة من تسعة أفراد، بينهم اثنان من المرضى بحاجة للعلاج.
الداية: أعيل تسعة أفراد و"كبون" الغذاء بالكاد يكفينا
يقول الداية بحزن: "أعيش أنا وأسرتي على كبون الغذاء العالمي (كيس من الدقيق وكرتونة تحوي زيت الطهي والملح والعدس)، وهي بالكاد تكفينا للأسف. أنا اليوم معرض للمجاعة في كل لحظة".
يضيف: "في حال توقف الكبون سنموت جوعا أنا وأطفالي، فأنا رجل عاطل عن العمل، كما أنني مصاب لا أقوى على العمل والتعب، وأنا المعيل الوحيد لأسرتي الفقيرة".
يشار إلى أن الداية نازح من حي الزيتون شرق مدينة غزة، بعدما قصف الطيران الحربي الإسرائيلي منزله المكون من طابقين قبل عام ونصف، ويعيش داخل مخيم الديرة الواقع شمال غرب المدينة، في بيئة لا ترقى إلى حياة كريمة يستحقها إنسان.
ويعتبر الداية مثالا على معاناة كثير من المواطنين في غزة الذين يعتمدون على كوبون الغذاء العالمي، التي تصرف لهم كل ثلاثة أشهر حسب مصادر التمويل.
برنامج الأغذية العالمي يقلص مساعداته في غزة بسبب نقص حاد في التمويل
وكان برنامج الأغذية العالمي أعلن يوم الاثنين الماضي تقليص مساعداته الغذائية والنقدية في قطاع غزة بسبب نقص حاد في التمويل، ما يعني حرمان نحو 500 ألف شخص من الغذاء، ويضعهم أمام خطر تفاقم الجوع، وسط استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية، رغم وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 تشرين الأول 2025.
وفيما يتعلق بأبرز تفاصيل التقليص، أوضح البرنامج الأممي أنه يشمل أيضا تخفيض الحصص الغذائية إلى النصف (الحصول على طرد غذائي واحد بدلا من اثنين، مع كيس أصغر من دقيق القمح)، وتقليص الوجبات الساخنة من 250 ألفا إلى 150 ألف وجبة يوميا، وتخفيض المساعدات النقدية المقدمة لنحو 75 ألف أسرة بنسبة تصل إلى 40%. وأكد البرنامج أنه بحاجة ماسة إلى 450 مليون دولار لاستمرار عملياته في غزة والضفة الغربية حتى آذار 2027.
وبذلك انخفض عدد المستفيدين من مساعداته الغذائية والنقدية في غزة من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون شخص، اعتبارا من تشرين الأول 2026، وفقا لبيانات البرنامج الأممي.
ربا شراب: لا أعلم ما مصير أطفالي بعد تقليص المساعدات
المواطنة ربا شراب (44 عاما)، وهي أرملة وأم لأربعة أطفال، فتعيش هي الأخرى صدمة بعد سماعها خبر تقليص مساعدات البرنامج، وتقول: "منذ ما يقارب الشهرين وأنا أعيش على أمل استلام كبون الغذاء العالمي، لسد حيز ضئيل مما أحتاجه كأرملة أعيل أطفالا أيتاما".
تضيف: "أعيش أنا وصغاري على العدس الذي أطهوه على النار، إضافة إلى الخبز الذي أصنعه من كيس الدقيق الذي أحصل عليه. أما الآن فأنا لا أعلم ما مصير أطفالي".
تتوقف باكية ثم تكمل حديثها: "نبيت ليالي كثيرة بلا طعام كي نوفر الوجبة لليوم التالي. كيف سأوفر لأطفالي مأكلا بعد اليوم؟ وما ذنبنا في هذا التقليص؟ وما البديل؟".
يشار إلى أن شراب تعيش في خيمة متهالكة على أنقاض بيتها المدمر في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، وتعاني فقرا مدقعا في ظل ارتفاع نسبة الفقر والبطالة في القطاع، كأحد إفرازات حرب الإبادة.
احتياجات إنسانية واسعة وانعدام حاد للأمن الغذائي لنحو 1.4 مليون شخص
ويأتي قرار التقليص في ظل ارتفاع نسبة البطالة والفقر في قطاع غزة، ووفقا لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء فإن نحو 80% من السكان ما زالوا عاطلين عن العمل.
وفي مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية، أوضح تقرير لـ"أوتشا" صدر في 25 أيلول الماضي أن 94% من سكان القطاع ما زالوا بحاجة ماسة إلى المأوى والمساعدات المنزلية الأساسية، فيما تعيش 65% من الأسر في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر حماية كافية من الظروف الجوية.
ولا يعني تقليص المساعدات الغذائية عن 500 ألف فلسطيني أن المجاعة عادت رسميا إلى قطاع غزة، لكنه يأتي في بيئة إنسانية لا تزال شديدة الهشاشة، ويهدد بتوسيع دائرة الجوع.
ووفقا لبيانات البرنامج، ما زال نحو 1.4 مليون شخص في قطاع غزة، أي قرابة ثلثي السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
أبو دياب: الاحتلال يدير سياسة التجويع بتقييد دخول السلع وإضعاف القدرة الشرائية
يعلق المحلل السياسي محمد أبو دياب بالقول: "عندما نقول إن الاحتلال يدفع نحو هندسة المجاعة في قطاع غزة، فهذا لا يعني بالضرورة العودة إلى سيناريوهات سابقة اتسمت بالانعدام شبه الكامل للسلع الأساسية، بل إننا أمام نمط مختلف من إدارة التجويع، يقوم على تقييد دخول السلع الضرورية، والسماح بإدخالها على فترات متباعدة وبكميات محدودة، بما يُبقي المعروض منها شحيحا في الأسواق وأسعارها مرتفعة، ويحرم أكثر من 80% من المواطنين من القدرة على شرائها، بسبب عجزهم عن تحمل تكلفتها".
يضيف: "ويتزامن ذلك مع تقليص المساعدات الغذائية التي تقدمها المؤسسات الدولية، في ظل إعلان برنامج الأغذية العالمي حرمان نحو نصف مليون فلسطيني من هذه المساعدات، الأمر الذي يفاقم الأزمة، ويمتد أثره إلى مؤسسات إغاثية أخرى تشرف على المطابخ والتكايا وتقديم الدعم الغذائي للنازحين".
يكمل: "الاحتلال يوظف هذه السياسات ويدفع باتجاه تعميق الأزمة الإنسانية، ليس فقط عبر تقليص توفر الغذاء، بل أيضا من خلال تقويض القدرة الشرائية للمواطنين، ووضعهم تحت ضغط الحاجة المستمر. وهكذا، لا تقتصر الأزمة على نقص السلع في الأسواق، بل تتجاوز ذلك إلى حرمان شرائح واسعة من القدرة على الوصول إليها، حتى عندما تكون متوفرة".
ـــــــ
/م.ع


