أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة صحة
تاريخ النشر: 26/10/2026 10:23 ص

سماعات بلا بطاريات.. أطفال غزة ذوو الإعاقة السمعية بين العزلة ومخاطر القصف وحرمان التعلّم

 

غزة 26-10-2026 وفا– محمد دهمان:

تنتظر ميرا محمود عياد (6 أعوام) بطارية تعيد الحياة إلى سماعتها الطبية، لتتمكن من سماع معلمتها واكتساب كلمات جديدة والتواصل مع الأطفال من حولها. لكن نقص البطاريات أبقاها نحو شهر من دون سماعتها، في مرحلة حاسمة من اكتساب اللغة، وجعلها أقل قدرة على الانتباه إلى أصوات الخطر. أما آدم صخر حرز (9 أعوام)، فقضى نحو ستة أشهر من دون سماعته بعد فقدانها خلال الحرب، ورغم العثور عليها لاحقًا، لا يزال نقص البطاريات يعرقل استخدامها بانتظام.

في قطاع غزة، لا تتوقف معاناة الأطفال ذوي الإعاقة السمعية عند صعوبة سماع الأصوات، بل تمتد إلى تأخر اكتساب اللغة والتعلّم، والعزلة الاجتماعية، ومخاطر إضافية في ظل القصف والنزوح. ومع تضرر المرافق الصحية والتأهيلية وشحّ السماعات الطبية وبطارياتها وقطع غيارها، باتت احتياجات أساسية لنمو هؤلاء الأطفال بعيدة المنال أمام كثير من العائلات.

ويقول مدير جمعية أطفالنا للصم فادي عابد، إن القصف والانفجارات قد تؤثر في السمع، فيما يفاقم نقص الأجهزة والمستلزمات صعوبات التواصل والتعلّم، خصوصًا لدى الأطفال في السنوات الأولى من العمر. ويوضح أن تأخر التشخيص والتدخل العلاجي، أو انقطاع استخدام السماعات، قد يؤثر في اكتساب اللغة وتطور المهارات.

ويشير عابد إلى أن التقديرات الأولية والفحوصات الميدانية التي أجرتها الجمعية تُظهر ارتفاعًا في أعداد الأشخاص الذين يعانون مشكلات سمعية متفاوتة. فبعد أن كانت التقديرات قبل الحرب تشير إلى نحو 10 آلاف شخص من ذوي الإعاقة السمعية في غزة، أظهرت الفحوصات الأولية نحو 35 ألف شخص يعانون مشكلات سمعية بسبب الحرب وصوت الانفجارات بدرجات مختلفة. وهذه أرقام أولية لا تمثل حصرًا شاملًا، وتحتاج إلى مسح تشخيصي متخصص لتحديد حجم المشكلة بدقة.

وبحسب بيانات نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" في 26 أيار/مايو 2025، يعاني نحو 10 آلاف طفل في غزة فقدان السمع، بينهم قرابة 5 آلاف يعانون فقدانًا شديدًا. وأفادت المنظمة بدخول 148 سماعة طبية خلال فترة وقف إطلاق النار آنذاك، وهي كمية لا تلبي سوى جزء محدود من الاحتياجات.

وفي تقييم نشرته اليونيسف في أيار/مايو 2026، أفادت بأن 18% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا لديهم صعوبة وظيفية واحدة على الأقل، وأن 57% من الأطفال ذوي الإعاقة أو الصعوبات الوظيفية اكتسبوا هذه الصعوبات بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023. كما أظهر التقييم أن 46% فقط من الأطفال ذوي الإعاقة كانوا يشاركون في نشاط تعليمي رسمي أو غير رسمي. وتتعلق هذه المؤشرات بالإعاقة والصعوبات الوظيفية عمومًا، لا بالإعاقة السمعية وحدها، لكنها تعكس حجم التحديات التي تواجه الأطفال في الوصول إلى التعليم والخدمات المساندة.

ميرا.. طفلة تنتظر بطارية لتسمع العالم

لاحظ والد ميرا، محمود عياد (31 عامًا)، عدم وضوح كلام ابنته عندما بلغت الرابعة من عمرها، فأخضعها لفحوص للسمع كشفت عن وجود ضعف سمعي. وبدأت تلقي جلسات لتحسين النطق، لكن الحرب والنزوح عطّلا انتظامها في جلسات التخاطب التي كانت تحصل عليها في مرحلة رياض الأطفال.

ويقول والدها إنها تحتاج إلى نحو ثلاث بطاريات شهريًا، لكن ارتفاع أسعارها وصعوبة توفيرها يجعلان استخدامها للسماعة متقطعًا، رغم أهميتها في مساعدتها على السمع والتعلّم. وعندما لا ترتديها، يضطر إلى رفع صوته أو الاقتراب منها وجذب انتباهها حتى تستجيب.

ولا تقتصر المخاطر على التواصل؛ فقد أصيبت ميرا بشظايا إثر قصف وقع بالقرب منها، ولم تتمكن من إدراك الخطر والابتعاد عنه بالسرعة المطلوبة، ما زاد قلق والدها على سلامتها. ويحاول إبقاءها قريبة منه، في ظل العيش داخل خيمة وظروف النزوح التي تعيق حصولها على الرعاية والتأهيل.

ويحاول والدها مساعدتها بما يستطيع، فيدعو أطفالًا آخرين للعب معها ويشاركها الرسم والتلوين لتشجيعها على التواصل والحد من عزلتها. لكن متابعة تعليمها تبقى صعبة، خصوصًا أن الأسرة لا تملك هاتفًا لمتابعة الدروس الإلكترونية، فتنتظر عودة والدها من العمل لمساعدتها بما يتوفر من إمكانات.

آدم.. سماعة موجودة وبطاريات مفقودة

اكتُشفت مشكلة السمع لدى آدم صخر حرز عندما كان عمره شهرين. ويقول والده صخر نمر سعيد حرز (47 عامًا) إن ابنه فقد سماعته خلال الحرب، وبقي نحو ستة أشهر من دونها قبل أن يعثر عليها، لكن نقص البطاريات لا يزال يحول دون استخدامها بانتظام.

وعانى آدم سوء تغذية شديدًا وثّقته مراكز صحية في غزة، كما أثرت الحرب والنزوح في حالته النفسية وتواصله مع الآخرين، وظهرت لديه صعوبات في الكلام، من بينها التأتأة، ما جعله بحاجة إلى متابعة متخصصة في النطق والتأهيل والدعم النفسي.

وباشراف الدكتور رمضان حسين، حصل آدم على سماعة طبية وفرتها جمعية أطفالنا للصم، لكن توفير الجهاز لم ينهِ معاناته؛ إذ يضطر والده إلى شراء البطاريات بأسعار مرتفعة أو الاستدانة لتأمينها. وتفاقمت الأوضاع المعيشية للأسرة بعد تدمير مكتب المحاماة الذي كان يعمل فيه الأب وفقدانه مصدر دخله، فيما زاد نقص الغذاء والمياه وصعوبات النزوح من أعبائها.

ويقول والده إن آدم يميل إلى العزلة والبقاء في المنزل، في ظل صعوبة التواصل مع الأطفال الآخرين وقلة الأماكن الآمنة للعب. ولا تقتصر احتياجاته على السماعة والبطاريات، بل تشمل الغذاء والمياه والملابس والرعاية المتخصصة، إلى جانب بيئة آمنة تساعده على التواصل والاندماج.

نقص الأجهزة يهدد التأهيل والتعلّم

وتواجه المؤسسات المتخصصة صعوبات متراكمة جراء الأضرار التي لحقت بالمرافق والمعدات التشخيصية والتأهيلية، والنقص في الأجهزة والمستلزمات والكوادر. كما تحد القيود المفروضة على دخول عدد من الأجهزة الطبية والسماعات والبطاريات وقطع الغيار من قدرة المؤسسات على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

ورغم استئناف بعض الخدمات، فإنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. ويحتاج الأطفال إلى فحوص سمع منتظمة، وصيانة للسماعات، وبطاريات متوفرة باستمرار، وجلسات تخاطب وتأهيل ودعم نفسي وتعليمي. فالسماعة التي لا تتوفر لها بطارية لا تؤدي وظيفتها، وقد يتحول الجهاز المتاح إلى أداة معطلة لا يستطيع الطفل الاستفادة منها.

ويؤكد مختصون أن انقطاع الأطفال عن الأجهزة والجلسات المتخصصة قد ينعكس على تطور اللغة والتواصل والتحصيل الدراسي، ويزيد عزلتهم وصعوبة اندماجهم مع أقرانهم، ولا سيما في السنوات الأولى من العمر.

وفي ظل هذه الظروف، لا يقتصر المطلوب على توفير السماعات الطبية، بل يشمل ضمان دخول البطاريات وقطع الغيار، واستعادة خدمات التشخيص والتأهيل والتخاطب، وإتاحة التعليم الملائم للأطفال ذوي الإعاقة، وتأمين احتياجاتهم الأساسية وبيئات آمنة للعب والتفاعل.

وبين سماعة تنتظر بطارية، وطفل يحاول استعادة قدرته على التواصل، تخوض عائلات في غزة معركة يومية للحفاظ على حق أبنائها في السمع والتعلّم والنمو. ويظل توفير الأجهزة والمستلزمات والخدمات التأهيلية بصورة منتظمة ضرورة عاجلة، حتى لا تتحول الإعاقة السمعية إلى سبب إضافي للعزلة والحرمان في طفولة أنهكتها الحرب .

ــ

إ.ر

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا